كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 43) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

43 - جلس اثنان من الصحابة في المسجد يتحدّثان ليلاً وكان أحدهما نعساناً ، فجاء رجل آخر وأخذ يصلّي قريباً منهما فقرأ في صلاته {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، فقال الجالس لرفيقه النعسان هل تحفظ هذه السورة ؟ فقال نعم ، وأخذ يقرأ يا أيّها الكافرون أعبد ما تعبدون . فنزلت هذه الآية :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) من النعاس ، والمعنى لا تجلسوا في المساجد قرب المصلّين وأنتم سكارى من شدّة النعاس (حَتَّىَ) معناها كي (تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ) أي كي تعلموا ما تقرؤون . فقد روي عن عائشة عن النبيّ أنّه قال "إذا نعس أحدكم وهو يصلّي فلينصرف لعلّه يدعو على نفسه وهو لا يدري" . فالنعسان كالسكران ، وقد يكون الإنسان سكرانا من الهموم أو العذاب ، فقد قال الله تعالى في سورة الحج {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ}48 ، (وَلاَ) تجلسوا في المساجد (جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ) فلا بأس من ذلك ، يعني إلاّ إذا كان المسجد له بابان وأراد أحدكم أن يعبر الطريق فيدخل من هذه الباب ويخرج من الأخرى وهو مجنب فلا بأس عليه ، أمّا الجلوس في المسجد فلا يجوز لِمَن كان مجنِباً (حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ) بالماء من حدث الجنابة فحينئذٍ لا بأس عليكم من الجلوس في المساجد .
ثمّ بيّن سبحانه الحكم في ذلك عند فقدان الماء وحكم المريض الذي يضرّه الماء فقال (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى) في مرض يضرّه الماء (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي مسافرين ولم تجدوا ماءً (أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ) أي من التغوّط وهو كناية عن قضاء الحاجة (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء) المراد به الجماع (فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء) لتغتسلوا وتتطهّروا (فَتَيَمَّمُواْ) أي فاقصدوا (صَعِيدًا طَيِّبًا) أي طاهراً من الأقذار ، والصعيد وجه الأرض ، يعني المكان المرتفع قليلاً (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) من ترابه ، وذلك بأن تبسط كفّيك وتضرب التراب مرّةً وتمسح بِها وجهك وضربة ثانية تمسح بِها يديك إلى المرفقين (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا) بالترخيص لكم والتيسير (غَفُورًا) عن الخطأ والتقصير . وعند حضور الماء يبطل التيمّم إلاّ المريض الذي يضرّه الماء ، وإذا كنت جنباً وجلست [: أي استيقظت من نومك] متأخّراً وقد ضايقك الوقت لصلاة الصبح وكان الوقت شتاءً فلا تغتسل بالماء البارد فتعرّض نفسك للمرض فتوضّأ وصلِّ قبل فوات الوقت ثمّ سخّن الماء واغتسل عن الجنابة ، وإذا كان في وجهك جرح يضرّه الماء فتيمّم وصلِّ وإذا كان الجرح في إحدى يديك أو رجليك فتوضّأ وامسح فوق الضماد الذي على الجرح وصلِّ .

44 - ( أَلَمْ تَرَ) يا محمّد (إِلَى) اليهود (الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا) أي قسطاً أو حصّة (مِّنَ الْكِتَابِ) يعني من الكتب السماوية وهو التوراة (يَشْتَرُونَ) أي يستبدلون (الضَّلاَلَةَ) بالهدى إذا سألتموهم شيئاً فبدل أن يرشدوكم إلى الصواب يضلّونكم عن الحقّ (وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) أي الطريق فيفرحون بذلك لأنّهم أعداؤكم .

45 - ( وَاللّهُ أَعْلَمُ) منكم (بِأَعْدَائِكُمْ) أيّها المسلمون فلا توالوهم ولا تستنصروهم (وَكَفَى بِاللّهِ وَلِيًّا) عن ولايتهم (وَكَفَى بِاللّهِ نَصِيرًا) عن نصرتهم .

46 - ( مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ) أي من اليهود فريق (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) أي يغيّرون الكلام عن أصله فيسبّون بدل أن يحمدوا (وَيَقُولُونَ) إذا سمعوا قول الرسول (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) أي يقولون سمعنا جهراً وعصينا سراً (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي ويقولون اسمع منّا يا محمّد ما نقول ، وفي قلوبهم يقولون غير مسمع منك ، أي لا نسمع لقولك (وَرَاعِنَا) أي أمهلنا لنفهم ما تقول ، ولكنّهم يقصدون بِهذه الكلمة الرعونة أي خفّة العقل (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي تقلّباً وفتلاً بألسنتهم من الكلام الحسن إلى الكلام المكروه (وَطَعْنًا) منهم (فِي الدِّينِ) الذي أنتم عليه أيّها المسلمون (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي اليهود (قَالُواْ سَمِعْنَا) قولك (وَأَطَعْنَا) أمرك (وَاسْمَعْ) منّا ما نقول (وَانظُرْنَا) أي انتظرنا قليلاً كي نفهم ما تقول (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ) مِمّا تكلّموا به (وَأَقْوَمَ) أي وأعدل وأصوب في الكلام من الطعن (وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ) في قديم الزمان (بِكُفْرِهِمْ) أي بسبب كفرهم بالله وعبادتهم للبعل والأوثان وعشتاروث (فَلاَ يُؤْمِنُونَ) بك يا محمّد (إِلاَّ قَلِيلاً) منهم . وكان كما أخبر الله تعالى عنهم فقد آمن منهم نفر قليل وهم عبد الله بن سلام وأصحابه .

47 - ثمّ خاطب الله اليهود بالتخويف والتحذير فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) يعني التوراة (آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا) على محمّد من القرآن الذي هو (مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم) من التوحيد ونبذ عبادة الأصنام (مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الوجوه يعني الوجهاء وهم القادة والرؤساء ، والطمس محو الأثر منهم ، والمعنى من قبل أن نمحو رؤساءهم ووجهاءهم من قيد الحياة فنهلكهم بالموت ولا نبقي لهم قادة يقتدون بِهم (أَوْ نَلْعَنَهُمْ) بالعذاب بأن ننزل عليهم الطاعون أو نوعاً آخر من المرض أو نجعلهم مغلوبين أذلاء صاغرين (كَمَا لَعَنَّا) أسلافهم وهم (أَصْحَابَ السَّبْتِ) الذين اعتدوا فيه فصادوا السمك يوم السبت فلعنّاهم بالعذاب (وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ) الذي وعد به من طمس الوجوه أو لعنها بالعذاب (مَفْعُولاً) أي كائناً لا محالة .

48 - لَمّا نزلت هذه الآية في سورة الزمر : {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ...الخ } تلاها النبيّ على المنبر فقام إليه رجل فقال والشرك بالله ؟ فنزلت هذه الآية (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) والمعنى إنّ الله لا يغفر للمشركين ذنوبهم ولو كانت من الصغائر ، وذلك لأنّ الإشراك بالله أكبر الكبائر (وَيَغْفِرُ) للموحّدين (مَا دُونَ ذَلِكَ) أي ما دون الإشراك ، والمعنى ويغفر ذنوب الموحّدين وإن كانت من الكبائر ولكن بشروط ، وهي التي ذكرناها في تفسير قوله تعالى [في هذه السورة] {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} ، (لِمَن يَشَاء) يعني لمن يحبّ ، فإنّ الله تعالى يحبّ الموحّدين والصالحين والمترحّمين على الناس ، ولا يحبّ المشركين والمنافقين والكافرين والظالمين الذين يظلمون الناس (وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى) أي كذب بادّعائه أنّ هؤلاء شفعاؤه عند الله وأثم على ذلك (إِثْمًا عَظِيمًا) غير مغفور له .

وهنا أوجّه سؤالاً إليك أيّها القارئ الكريم وهو : هل أنت من الموحّدين فتفوز بالغفران أم أنت من المشركين فتحرم من الجنان ؟
أقول إنّ أكثر الناس اليوم مشركون ولكن لا يعلمون أنّهم على منهج الإشراك بل يحسبون أنّهم مهتدون وعلى طريق الحقّ سائرون ، وقد قال الله تعالى فيهم وفي أمثالهم [ في سورة الكهف ]{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} ، والمعنى أنّ هؤلاء يصلّون ويصومون ويتعبّدون وينفقون ولكن يشركون بعبادتِهم غير الله فلذلك خسروا أعمالهم فضلّت أي ضاعت وذهبت أدراج الرياح فلا يجزون عليها وذلك لأنّهم أشركوا بِها المخلوقين مع الخالق .
وإذا سألت أحداً من هؤلاء لماذا تشرك ؟ فيجيبك قائلاً : أنا لم أشرك بربّي أحداً ، فإن قلت له لماذا تعبد الصنم أو البقرة أو غير ذلك ؟ فيقول هؤلاء شفعاؤنا عند الله . وبذلك يعتقد أنه موحّد غير مشرك وإنّما يقدّس هذا المخلوق ويحترمه ليشفع له عند الله ، ولذلك لَمّا يُسألون يوم القيامة يقولون : والله ربِّنا ما كنّا مشركين .
ولقد قال لي أحد الخدم في كربلاء أنه سافر إلى الهند فرأى قوماً يعبدون البقر فقال لأحدهم هل تعتقد أنّ هذه البقرة إلاهك فتعبدها ؟ فقال : كلاّ إنّ ربّي الله الذي خلقني ورزقني ، قال : إذاً لماذا تعبد هذه البقرة ؟ قال : أصغِ إليّ لأفهمك ، قلت أنا صاغٍ إلى قولك ، قال إننا بشر وهل في البشر أحد لا يذنب ؟ قلت كلاّ كلّنا مذنبون ، قال هل لهذه البقرة ذنب ؟ قلت كلاّ إنّها حيوان وليس على الحيوان واجبات دينية ، قال إذاً هذه البقرة أقرب عند الله منّي لأنّها لم تذنب وأنا أذنبت فأنا أجعلها شفيعة عند الله .
فهذه عقائد وجدوا آباءهم سائرين عليها فساروا خلفهم وقالوا : إنًا وجدنا آباءنا على أمّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون .
والآن أعطيك أسئلة امتحان إمتحن نفسك بِها وبعد الامتحان انظر وفكّر واعرف نفسك هل أنت من الموحّدين أم من المشركين ، فإن وجدت نفسك من الموحّدين فقل الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله . وإن وجدت نفسك من المشركين فاترك الإشراك ولا تتمسّك بالتعصّب فتخسر وكن من الموحّدين تنجح في الدارين .
أوّلاً أنظر هل أنت من المقلّدين أم من المفكّرين ؟ فإن كنت من المقلّدين فاترك التقليد واستعمل عقلك وفكرك في كلّ موضوع لأنّ المقلّد كالأعمى فمتى صادف بئراً أو حفرة سقط فيها ، أمّا المفكّرون فلا يسقطون في بئر ولا حفرة لأنّهم يبصرونَها فيحيدون عنها ، وقد ذمّ الله المقلّدين في القرآن ومدح المفكّرين والعقلاء فقال تعالى في المقلّدين في سورة الزخرف {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} فردّ الله عليهم قولهم وقال {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ} ، وقال تعالى في سورة الزخرف {قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} . ثمّ بيّن سبحانه بأنّ المتبوعين يتبرّؤون من تابعيهم يوم القيامة فقال قي سورة البقرة : {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} .
أمّا المفكّرون فقد مدحهم الله تعالى فقال في سورة الرعد {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، وقال أيضاً في سورة الرعد {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، وقال تعالى في سورة النور{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ} ، فكن أنت من المفكّرين ولاتكن من المقلّدين فتخسر .
ثانياً أنظر وتأمّل إلى نفسك وعقائدك هل أنت مِمّن يجعل له شفعاء يشفعون له عند الله ويتّخذ له أولياء يقرّبونه إلى الله زلفى كمن سبق ذكره أم مِمّن يوجّه وجهه لله ويجعل رحمته هي الشفيع وانقطاعه إلى الله هو الذي يقرّبه زلفى ؟
فقد قال الله تعالى في سورة الزمر {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} .
وقال تعالى أيضاً في سورة البقرة {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، وقال أيضاً في سورة غافر {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .
وقال عليّ بن الحسين في دعائه المعروف بأبي حمزة الثمالي : "الحمد لله الذي أناديه كلّما شئت لحاجتي وأخلو به حيث شئت لسرّي ، بغير شفيع فيقضي لي حاجتي ، والحمد لله الذي أدعوه ولا أدعو غيره ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي ."
فتأمّل إلى قول زين العابدين وتعلّم منه فإنّه يقول "بغير شفيع فيقضي لي حاجتي" ، ثمّ يقول "والحمد لله الذي أدعوه ولا أدعو غيره" فإنّك إن دعوت غير الله لقضاء حوائجك فلن يستجيب لك ولن يقدر على ذلك ، وإنّ الله تعالى لا يرضى بذلك ولا يقضي حوائجك لأنّك سألت حاجتك من المخلوقين وتركت الخالق ، فقد قال تعالى في سورة الأعراف {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} .
وجاء في الحديث القدسي قال الله تعالى "يا موسى إسألني ولو ملحاً لطعامك ." والمعنى : إسأل حاجتك منّي ولو كانت بسيطة ولا تسأل من غيري .
فإنّك إن سألت حاجتك من الله ولم تسأل غيره من المشايخ أو الأئمّة أو الأنبياء فإنّ الله تعالى ينظر إليك بالرحمة ويباهي بك الملائكة فيقول أنظروا يا ملائكتي إلى عبدي هذا فإنه عرفني حقّ معرفتي فوجّه وجهه نحوي وسأل حاجته منّي ولم يسأل غيري .
وإليك بعض الأمثال أذكرها لك لتكون من الموقنين : لو كنت جالساً في بعض الأندية مع جماعة ولك فيهم صديق وأنت تتكلّم معه في بعض شؤونك وكنت غنياً ونفسك أبيّة وجاء ابنك فجأةً وسلّم على صديقك وقال يا عمّ أعطني عشرة تفاليس لأشتري بِها بعض الأشياء . فما يكون حالك حينذاك وما أنت صانع به هل ترضى منه ذلك أم تأبى ؟ طبعاً إنّك تأبى أن يأخذ ابنك من صديقك بعض النقود وأنت جالس ، فتقول لابنك لماذا تطلب من هذا الرجل بعض النقود بحضوري فهل أنا عاجز عن أداء طلبك وهل تركتك يوماً بلا نقود أو تركتك يوماً جائعاً فمن يقوم كلّ يوم بتربيتك ومن يأتيك بطعامك وشرابك ومن يأتيك بالملابس وبما تحبّ وتشتهي لماذا لم تسأل منّي فأعطيك أفلا استحييت أفلا قصر لسانك أفلا شلًت يدك ؟
فتأخذ أنت في تأنيبه وتأديبه كي لا يعود إلى مثل ذلك .
فإن قال ابنك أنا لم أسأل حاجتي من رجل غريب بل هو صديقك ، فتقول له أنا لا أقبل أن تسأل أحداً شيئاً وإن كان صديقي .
فكذلك الله تعالى لا يرضى أن تسأل حاجتك من أحد وإن كان المسؤول نبيّاً من الأنبياء أو ملكاً من الملائكة فإن سألت حاجتك من أحد من المخلوقين فإنّ الله تعالى يقول لك لقد تركتني وذهبت تسأل حاجتك من مخلوق مثلك ألم تعلم أنّه عاجز عن قضاء حاجتك أم تعلم أنّي على كلّ شيء قدير ألم تكن صغيراً فأنشأتك ألم تكن عارياً فكسوتك ألم تكن جائعاً فأشبعتك ألم تكن ضعيفاً فقوّيتك هل تركتك يوماً بلا طعام حين كنت مضطجعاً في المنام ولم تكن قادراً على الكلام ألم أحنّن عليك أبويك ألم أجعل الغذاء ميسوراً بين يديك فالويل لك والعار عليك إذا سألت حاجتك من غيري .
ثالثاً أنظر إلى أعمالك وفكّر فيها فهل تجعلها خالصة لوجه الله أم تشرك بِها أحداً من المشايخ أو الأنبياء أو غيرهم من أولياء الله ، فإن جعلتها لله وحده فإنّ الله تعالى يتقبّلها منك ويأجرك عليها ، ولكن إذا أشركت أحداً من المخلوقين بأعمالك فإنّ الله لا يقبلها منك ولا يثيبك عليها ، وهي الإنفاق في سبيل الله والاستعانة بالله والنذر لله والتعظيم لله وما أشبه ذلك ، فإن أنفقت من مالك في سبيل الله فإنّه تعالى يتقبّله منك ويأجرك عليه ويعوّضك بدله عشرة أضعاف في الدنيا وسبعمائة في الآخرة .
ولكن إذا أنفقت في سبيل المشايخ أو الأئمّة أو الأنبياء أو غيرهم من الملائكة والمقرّبين فإنّ الله لا يقبله منك ولا يأجرك عليه بل يعاقبك على ذلك لأنّك أنفقت في سبيل غيره ، وكذلك إذا أوقفت ملكاً لغير الله فإنّه تعالى لا يقبله منك ولا تؤجر عليه .
وكذلك النذر للمشايخ والأنبياء لا يجوز فإن نذرت لغير الله فلا تؤجر بل تعاقَب عليه ، ولا يجوز النذر إلاّ لوجه الله وحده .
ثمّ الاستعانة بالمشايخ أو الأنبياء أو الأئمّة لا تجوز فمن استعان بغير الله فقد أشرك ، فإنّنا يجب علينا أن نسير على نهج هؤلاء الأولياء لا أن نخالفهم في نهجهم فإنّهم كانوا يذكرون الله عند قيامهم و عند قعودهم وعند اضطجاعهم ولا يستعينون بغيره ولذلك مدحهم الله في كتابه المجيد فقال في سورة آل عمران {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ، وأنزل فيهم قوله تعالى في سورة الإنسان {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} ، فقوله تعالى {عَلَى حُبِّهِ} ، أي على حبّ الله ، فتأمّل أنّ الله تعالى قال {عَلَى حُبِّهِ} ولم يقل على حبّ الأنبياء والأولياء ، ويؤيّد ذلك قوله تعالى [في الآية التالية] {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا} .
فإن كنت مِمّن ينذر للمشايخ والأنبياء أو يستعين بِهم في قيامه وقعوده أو ينفق ماله على حبّهم أو مِمّن يقدّس قبورهم ويتبرّك بِها فأنت من المشركين ، فاترك هذه العادات واجعل أعمالك خالصة لوجه الله تنجح في الدارين .

-----------------------------------

48 :جعل المفسّرون ينصّون على أنّ في القرآن ناسخاً ومنسوخاً ولم يفطنوا لمعنى النسخ إلاّ المؤلّف نفسه فنصّ على عدم وجود الناسخ والمنسوخ ، بينما كان تفسيرهم تفسيراً لا ترتضيه العقول ولا تتقبّله النفوس ، ومن ذلك هذه الآية التي كانوا قد زعموا أنّها أوّل آية حرّمت الخمر تدريجياً والحقيقة أنّ السكر كان من النعاس لا من الخمر الذي زعموا ، وبذلك يكون المؤلّف أوّل من أفحم أهل الكتاب في زعمهم أنّ توراتهم وإنجيلهم مثبتان بينما القرآن فيه منسوخ ، فليس القرآن إلاّ مثبَتاً جميعه . - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم