كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النساء من الآية( 51) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

51 - سأل أبو سفيان نفراً من اليهود ما تقولون في محمّد هل هو مجنون أو عالم ؟ قالوا بل عالم دارس ، قال هو أعلم أم علماؤكم ؟ قالوا بل علماؤنا وخاصةً منهم الكاهن حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف ، قال ودينه حقّ أم دينكم ؟ قالوا بل ديننا ، قال وقرآنه من عنده أم وحي من السماء ؟ قالوا لو كان وحياً لنزل علينا فنحن أحقّ بالوحي منه ولو كانت نبوّة لكانت فينا . فنزلت هذه الآية :

(أَلَمْ تَرَ) يا محمّد (إِلَى) اليهود (الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ) يعني حصّة من الكتب السماوية وهي التوراة (يُؤْمِنُونَ بِ) علمائهم ويقلّدونهم ولو كانوا على ضلال ومع ذلك يقدّسونهم وخاصةً منهم (الْجِبْتِ) يعني الكاهن ، ويريد به حييّ بن أخطب (وَالطَّاغُوتِ) كناية عن كلّ شخص طاغٍ متكبّر ، ويريد بالطاغوت كعب بن الأشرف (وَيَقُولُونَ) يعني اليهود يقولون (لِلَّذِينَ كَفَرُواْ) يعني أبا سفيان وأصحابه لَمّا سألوهم هل محمّد أعلم أم علماؤكم ، فأجابوا (هَؤُلاء) إشارة إلى علمائهم (أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ) يعني من محمّد وأصحابه (سَبِيلاً) أي طريقاً إلى الصواب وأكثر علماً . فردّ الله عليهم قولهم وكذّبهم ولعنهم فقال تعالى:

52 - (أُوْلَـئِكَ) إشارة إلى حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف ومن تبعهم (الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ) أي أبعدهم الله عن رحمته وجعلهم مِمّن يستحقّون العذاب (وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ) أي ومن يلعنه الله (فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) ينصره ويخلّصه من عذاب الله .

53 - ثمّ بيّن سبحانه بخل اليهود وحسدهم لرسول الله فقال (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ) وهنا تقدير محذوف وهو : هل الأرض ومن عليها ملكهم فيتصرّفون فيها كما يشاؤون فيريدون أن ينزل الوحي عليهم ولا ينزل على غيرهم أم لهم نصيب معنا في الملك ، أي حصّة من الملك فيعترضون علينا بنزول الوحي على محمّد (فَ) لو كان الملك بأيديهم (إِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) يعني لم يعطوا العرب من الحبّ قدر ما ينقره الطير ، وهذا مثل يُضرَب في القلّة .

54 - (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ) أي العرب (عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) حيث بعث فيهم رسولاً (فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ) وهم محمّد وأصحابه ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ ..الخ} ، وقال تعالى مخاطباً المسلمين في سورة الحج {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ} . فآل إبراهيم يريد بِهم المسلمين49 (الْكِتَابَ) هو القرآن (وَالْحِكْمَةَ) يعني العلم والفهم (وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا) في المستقبل ، يعني وقدّرنا لهم ملكاً عظيماً ينالونه في المستقبل ، فحسدكم أيّها اليهود لا يزيدكم إلاّ غماً وعنادكم لا يزيدكم إلاّ هماً ، وإنّما قطعنا الوحي عنكم وآتيناه آل إبراهيم لأنّكم تمرّدتم على الله وتكبّرتم وعبدتم العجل والبعليم وعشتاروث وغيرها مِمّا استهوتها أنفسكم بعد أن أخذ الله منكم العهود والمواثيق أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تعبدوا بقراً ولا شجراً ولا حجراً فنكثتم العهود ونقضتم المواثيق مراراً عديدة وعبدتم الأوثان تكراراً فرفضكم الله واختار غيركم ، ذلك بِما كسبت أيديكم وأنّ الله ليس بِظلاّمٍ للعبيد .

55 - (فَمِنْهُم) يعني من اليهود (مَّنْ آمَنَ بِهِ) يعني بالكتاب الذي سبق ذكره ويريد به القرآن (وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ) ولم يؤمن (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا) لِمن صدّ عنه ولم يؤمن بِه .

59 - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ) فيما أمركم به ونهاكم عنه (وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ) لأنّه يدعو إلى الله ويعمل بأمر الله (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) أي وأطيعوا ولاة الأمر منكم إن حكموا بحكم القرآن وساروا بنهج الإسلام (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) من أمور دينكم (فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) يعني فراجعوا كتاب الله وهو القرآن إن لم يكن رسوله حاضراً معكم ، أمّا إذا كان رسوله حاضراً فردّوا تنازعكم إليه وهو يفصل بينكم ، هذا في زمانه أمّا اليوم فقد ذهب الرسول إلى جوار ربّه وبقي الكتاب فيجب أن نردّ تنازعنا إلى كتاب الله ليفصل بيننا ، أمّا الأحاديث الواردة فلا اعتماد عليها لأنّ أكثر الأحاديث مدسوسة ولذلك اختلف المسلمون فصاروا فرقاً عديدة ، فكلّ حديث ينطبق مع القرآن نقبله وكلّ حديث لا ينطبق مع القرآن لا نقبله (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) لأنّ مَن يؤمن بالله يقبل حكم القرآن ولا يعترض عليه (ذَلِكَ) الردّ إلى كتاب الله والرضا بحكمه (خَيْرٌ) لكم من التنازع والاختلاف فيما بينكم (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي وأحسن عاقبة .

60 - كان بين رجل من اليهود ورجل من المسلمين خصومة فقال المنافقون لصاحبِهم تحاكم مع اليهودي عند رئيسهم كعب بن الأشرف فإنّه يحكم لك ، فأبى اليهودي أن يتحاكم عند كعب وقال بل نتحاكم عند رسول الله وجاء إلى النبيّ فحكم النبيّ لليهودي فلم يرضَ المنافق بذلك وقال تعالَ نتحاكم عند عمر ، فقال اليهودي لعمر قضى لي رسول الله فلم يرضَ خصمي بقضائه ، فقال عمر للمنافق أكذلك ؟ قال نعم ، فقال عمر مكانكما حتّى أخرج إليكما ، فدخل عمر فأخذ سيفه ثمّ خرج فضرب به عنق المنافق وقال هكذا أقضي لمن لم يرض بحكم الله ورسوله .

ولَمّا سمع المنافقون الذين أغروا الرجل وقالوا له تحاكم عند كعب ، جاؤوا إلى النبيّ يعتذرون فنزلت هذه الآية (أَلَمْ تَرَ) يا محمّد (إِلَى) المنافقين (الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) من القرآن (وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) من كتب سماوية (يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ) يعني إلى كعب بن الأشرف ، والطاغوت كناية كلّ طاغٍ متكبّر ، وهي كناية الشيطان أيضاً لأنّه تكبّر على آدم وامتنع عن السجود (وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ) وذلك من قوله تعالى في سورة البقرة {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ} ، (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ) بِما زيّن لهم (أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) عن الحقّ .

-----------------------------------

49 :لأنّ نسل إبراهيم من إسرائيل قد انقرض [أكثره] ولم يبقَ منه [ إلا القليل ] بنصوص التوراة نفسها كما جاء بكتاب ( نهاية اليهودية ) وأراد بالآل الرجال تمييزاً لهم عن الأهل أي النساء . - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم