كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة المائدة من الآية( 100) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

100 - جاء رجل من المسلمين إلى النبيّ فقال يا رسول الله هل يباح لحم الزاغ61فقال مكروه ، فقال إنّه كثير لو كان حلالاً لشبعنا منه . فنزلت هذه الآية :
(قُل) يا محمّد لهذا السائل (لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) من اللحوم ، أي لا يتساوى لحم الزاغ ولحم الطيور الأخرى (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ) الطير (الْخَبِيثِ) لأنّ الخبيث لا يُستطاب أكله (فَاتَّقُواْ اللّهَ) في أكل ما تُنهَون عنه (يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) في جميع أموركم .

101 - سأل النبيَّ رجل من أصحابه فقال : "إنّ أبي مات على دين الجاهلية فهل يدخل الجنّة أو النار ؟" فقال النبيّ : "كلّ مشرك في النار" . فقال الرجل كيف ذلك وإنّه كان يطعم الطعام ويحجّ البيت ؟

وقال رجل آخر : "إنّ أخي كان على دين الجاهلية فهل هو في النار ؟" فقال النبيّ : "نعم كلّ مشرك في النار" . فقال الرجل :"إنّ أخي كان يحجّ البيت ويسقي الحاجّ ويتصدّق على الفقراء فكيف يدخل النار ؟"
ولَمّا أسلمت الخنساء سألت النبيّ عن أخيها صخر أيضاً ، فقال النبيّ : "هو في النار" . فقالت :"زدتني حزناً على حزني" . وهكذا كانوا يسألون النبيّ عن أبائهم وأجدادهم ، فنزلت فيهم هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي تحمّلكم حزناً وهماً (وَإِن تَسْأَلُواْ) النبيّ (عَنْهَا) مرّةً أخرى لا يجِبكم عليها ولكن (حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) يعني تفهمون الجواب على ذلك من القرآن ، وذلك من قوله تعالى في سورة المائدة {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} ، يعني أنظروا في عقائد آبائكم وأجدادكم وطابقوها مع القرآن وهو ينبّئكم عن مصيرهم فمن كان منهم مشركاً فهو في النار ومن كان منهم موحّداً تقياً فهو في الجنّة . (عَفَا اللّهُ عَنْهَا) أي عن تلك الأسئلة التي سألتم النبيّ بذلك وأنكرتم عليه جوابه (وَاللّهُ غَفُورٌ) لمَن تاب (حَلِيمٌ) لا يعجل بالعقوبة .

102 - (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ) يعني الأمم السالفة سألت رسُلها كما سألتم أنتم (ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ) أي منكِرين لتلك الأجوبة كما أنكرتم على النبيّ حين أجابكم .

وكذلك سأل نوح فقال {رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي} أي من أهل بيتي . فردّ الله عليه فقال{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.

103 - كان المشركون يجعلون من أنعامهم حصّة للأصنام وينذرون لها ويذبحون ، ويجعلون لتلك الأنعام المنذورة كنايات وهي البحيرة ، السائبة ، الوصيلة ، والحامي و يقولون إنّ الله أمرنا بذلك . فردّ الله عليهم بقوله (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ) والمعنى ما حكم الله عليكم بذلك ولا أنزله في كتاب ولكنّكم تتّبعون الشيطان بذلك وتتبعون أهواء أنفسكم . و"البحيرة" هي الناقة كانت إذا أنتجت خمساً وكان آخرها ذكراً بحروا أذنها وامتنعوا عن ركوبها ولا تُطرَد عن ماء ولا تُمنَع من مرعى فإذا لقيها المعييّ لم يركبها ويكون لبنها للفقراء لِمن يحلبها منهم .

أمّا "السائبة" هي ما كانوا يسيّبونه من الأنعام في نذورهم ، فإنّ الرجل إذا نذر القدوم من سفر أو البُرء من مرض أو ما أشبه ذلك قال ناقتي سائبة فتُسيَّب للأصنام أي تعتَق لها وكان الرجل منهم يسيّب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدمة أصنامهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل .
أمّا "الوصيلة" هي في الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم ، فإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم .
أمّا "الحامي" فهو الذكر من الإبل ، كانت العرب إذا أنتجت من صُلب الفحل عشراً قالوا قد حمي ظهره فلا يُحمل عليه شيء ولا يُمنَع من ماء ولا من مرعى . مثل هذه عاداتهم وما شاكلها وهذا معنى قوله تعالى (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) أي لا يستعملون عقولهم لأنّهم مقلّدون . 106ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجّاراً إلى الشام وهم تميم بن أوس الداري وأخوه عديّ وهما نصرانيّان وابن أبي ماريّة مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلماً حتّى إذا كانوا ببعض الطريق مرض المسلم منهم فكتب وصيّته بيده ودسّها في متاعه وأوصى إليهما ودفع المال إليهما وقال أبلغا هذا أهلي ، فلَمّا مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه ثمّ رجعا بالمال إلى أهله ، فلمّا فتّشوا المال فقدوا بعض ما كان قد خرج به صاحبهم فنظروا إلى الوصيّة فوجدوا المال فيها تامّاً فكلّموا المسيحيَّينِ بذلك فقالا لا علم لنا به .
فرفعوا أمرهم إلى النبيّ ، فنزلت هذه الآية :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) أي شهادة تلازمون عليها بينكم أيّها المسلمون (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ، فتقيمون شاهدَين يشهدان على الموصِي وعلى الوصيّ وذلك (حِينَ الْوَصِيَّةِ) التي يوصي بِها المستحضر ، والشهود (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ) أي شاهدين عادلَين (مِّنكُمْ) أيّها المسلمون (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) يعني من غير ملّتكم إن لم تجِدوا شاهدَين من ملّتكم (إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ) يعني إن كان ذلك في السفر (فَأَصَابَتْكُم) أي فأصاب أحدكم (مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) أي أصابه مرض الموت أو حادثة أخرى يكون بسببها الموت (تَحْبِسُونَهُمَا) يعني توقفونهما للمحاكمة والشهادة ، وتكون محاكمتهما (مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ) ليكون ذلك عند اجتماع الناس ليرهبا ويخجلا منهم فينطقا بالصواب (فَيُقْسِمَانِ) الشاهدان (بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) في شهادتهما وظننتم أنّهما خانا ، فيقولان (لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أي لا نستبدل باليمين بالله ثمناً من مال الدنيا ولو كان المشهود له من أقربائنا (وَلاَ نَكْتُمُ) شيئاً من (شَهَادَةَ اللّهِ) يعني التي أوجبها الله علينا ، فإن كتمنا من الشهادة شيئاً (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ) فنستحقّ العذاب على ذلك والعقاب . 107لَمّا نزلت الآية الأولى صلّى رسول الله صلاة العصر ودعا المسيحيَّينِ تميماً وعدياً فاستحلفهما بالله ما قبضنا له غير هذا ولا كتمناه ، فحلفا ، فخلّى رسول الله سبيلهما .
ثمّ اطّلعوا على إناء من فضّة منقوش بذهب معهم فقالوا هذا من متاعه ، فقالا إشتريناه منه ونسينا أن نخبركم به ، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله فنزل قوله تعالى :
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) إلى آخر الآية ، فقام رجلان من أولياء الميّت أحدهما عمرو بن العاص والآخر المطّلب بن أبي وداعة السهمي فحلفا بالله أنّهما خانا وكذبا ، فدُفِع الإناء إليهما وإلى أولياء الميّت ، وكان تميم الداري بعد ما أسلم يقول صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله وأستغفره .
التفسير:
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا) أي المسيحيَّينِ (اسْتَحَقَّا إِثْمًا) بأخذهما الإناء الفضّي وأشياء أخرى وبأيمانهما الكاذبة (فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا) أي مقام الشاهدَين اللذين هما من غير ملّتكم ، يقومان باليمين (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) اليمين ، وهم ورثة الميّت ، وإنّما استحقّ عليهم اليمين لأنّ المسيحيَّين ادّعيا أنّهما اشتريا الإناء من الميّت ، وإنّ الورثة أنكروا ذلك ، فصار الإثبات والبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر ، وهما (الأَوْلَيَانِ) بالميّت لأنّهما من أقربائه (فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ) على خيانة المسيحيَّينِ ويقولان (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا) ويميننا أحقّ من يمينهما (وَمَا اعْتَدَيْنَا) أي وما جاوزنا الحقّ في اليمين ، فإن كان يميننا كاذباً (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) .
قال الشيخ الطبرسي : وهذه الآية مع الآية التي قبلها من أعوص آيات القرآن إعراباً ومعنىً وحكماً .

-----------------------------------

61 :هو طير أسود كثير الوجود يأكل الجِيَف ، وكذلك كلّ طير يأكل لحوم الحيوانات الميّتة لا يباح أكله .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم