كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة المائدة من الآية( 102) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

102 - (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ) يعني الأمم السالفة سألت رسُلها كما سألتم أنتم (ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ) أي منكِرين لتلك الأجوبة كما أنكرتم على النبيّ حين أجابكم .

وكذلك سأل نوح فقال {رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي} أي من أهل بيتي . فردّ الله عليه فقال{إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.

103 - كان المشركون يجعلون من أنعامهم حصّة للأصنام وينذرون لها ويذبحون ، ويجعلون لتلك الأنعام المنذورة كنايات وهي البحيرة ، السائبة ، الوصيلة ، والحامي و يقولون إنّ الله أمرنا بذلك . فردّ الله عليهم بقوله (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ) والمعنى ما حكم الله عليكم بذلك ولا أنزله في كتاب ولكنّكم تتّبعون الشيطان بذلك وتتبعون أهواء أنفسكم . و"البحيرة" هي الناقة كانت إذا أنتجت خمساً وكان آخرها ذكراً بحروا أذنها وامتنعوا عن ركوبها ولا تُطرَد عن ماء ولا تُمنَع من مرعى فإذا لقيها المعييّ لم يركبها ويكون لبنها للفقراء لِمن يحلبها منهم .

أمّا "السائبة" هي ما كانوا يسيّبونه من الأنعام في نذورهم ، فإنّ الرجل إذا نذر القدوم من سفر أو البُرء من مرض أو ما أشبه ذلك قال ناقتي سائبة فتُسيَّب للأصنام أي تعتَق لها وكان الرجل منهم يسيّب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدمة أصنامهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل .
أمّا "الوصيلة" هي في الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم ، فإذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم .
أمّا "الحامي" فهو الذكر من الإبل ، كانت العرب إذا أنتجت من صُلب الفحل عشراً قالوا قد حمي ظهره فلا يُحمل عليه شيء ولا يُمنَع من ماء ولا من مرعى . مثل هذه عاداتهم وما شاكلها وهذا معنى قوله تعالى (مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) أي لا يستعملون عقولهم لأنّهم مقلّدون . 106ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجّاراً إلى الشام وهم تميم بن أوس الداري وأخوه عديّ وهما نصرانيّان وابن أبي ماريّة مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلماً حتّى إذا كانوا ببعض الطريق مرض المسلم منهم فكتب وصيّته بيده ودسّها في متاعه وأوصى إليهما ودفع المال إليهما وقال أبلغا هذا أهلي ، فلَمّا مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما منه ثمّ رجعا بالمال إلى أهله ، فلمّا فتّشوا المال فقدوا بعض ما كان قد خرج به صاحبهم فنظروا إلى الوصيّة فوجدوا المال فيها تامّاً فكلّموا المسيحيَّينِ بذلك فقالا لا علم لنا به .
فرفعوا أمرهم إلى النبيّ ، فنزلت هذه الآية :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) أي شهادة تلازمون عليها بينكم أيّها المسلمون (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ، فتقيمون شاهدَين يشهدان على الموصِي وعلى الوصيّ وذلك (حِينَ الْوَصِيَّةِ) التي يوصي بِها المستحضر ، والشهود (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ) أي شاهدين عادلَين (مِّنكُمْ) أيّها المسلمون (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) يعني من غير ملّتكم إن لم تجِدوا شاهدَين من ملّتكم (إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ) يعني إن كان ذلك في السفر (فَأَصَابَتْكُم) أي فأصاب أحدكم (مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) أي أصابه مرض الموت أو حادثة أخرى يكون بسببها الموت (تَحْبِسُونَهُمَا) يعني توقفونهما للمحاكمة والشهادة ، وتكون محاكمتهما (مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ) ليكون ذلك عند اجتماع الناس ليرهبا ويخجلا منهم فينطقا بالصواب (فَيُقْسِمَانِ) الشاهدان (بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) في شهادتهما وظننتم أنّهما خانا ، فيقولان (لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أي لا نستبدل باليمين بالله ثمناً من مال الدنيا ولو كان المشهود له من أقربائنا (وَلاَ نَكْتُمُ) شيئاً من (شَهَادَةَ اللّهِ) يعني التي أوجبها الله علينا ، فإن كتمنا من الشهادة شيئاً (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ) فنستحقّ العذاب على ذلك والعقاب . 107لَمّا نزلت الآية الأولى صلّى رسول الله صلاة العصر ودعا المسيحيَّينِ تميماً وعدياً فاستحلفهما بالله ما قبضنا له غير هذا ولا كتمناه ، فحلفا ، فخلّى رسول الله سبيلهما .
ثمّ اطّلعوا على إناء من فضّة منقوش بذهب معهم فقالوا هذا من متاعه ، فقالا إشتريناه منه ونسينا أن نخبركم به ، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله فنزل قوله تعالى :
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) إلى آخر الآية ، فقام رجلان من أولياء الميّت أحدهما عمرو بن العاص والآخر المطّلب بن أبي وداعة السهمي فحلفا بالله أنّهما خانا وكذبا ، فدُفِع الإناء إليهما وإلى أولياء الميّت ، وكان تميم الداري بعد ما أسلم يقول صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب إلى الله وأستغفره .
التفسير:
(فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا) أي المسيحيَّينِ (اسْتَحَقَّا إِثْمًا) بأخذهما الإناء الفضّي وأشياء أخرى وبأيمانهما الكاذبة (فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا) أي مقام الشاهدَين اللذين هما من غير ملّتكم ، يقومان باليمين (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ) اليمين ، وهم ورثة الميّت ، وإنّما استحقّ عليهم اليمين لأنّ المسيحيَّين ادّعيا أنّهما اشتريا الإناء من الميّت ، وإنّ الورثة أنكروا ذلك ، فصار الإثبات والبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر ، وهما (الأَوْلَيَانِ) بالميّت لأنّهما من أقربائه (فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ) على خيانة المسيحيَّينِ ويقولان (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا) ويميننا أحقّ من يمينهما (وَمَا اعْتَدَيْنَا) أي وما جاوزنا الحقّ في اليمين ، فإن كان يميننا كاذباً (إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) .
قال الشيخ الطبرسي : وهذه الآية مع الآية التي قبلها من أعوص آيات القرآن إعراباً ومعنىً وحكماً .

110 - (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ) واصبر على أذى قومك في سبيلي ولا تجزع ، ثمّ أخذ سبحانه يعدّد بعض ما أنعم عليه سابقاً ولاحقاً فقال (إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعني نصرتك بجبرائيل (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) وأنت طفل صغير ، قلنا فيما سبق أنّ عيسى كان في السماء وكان روحاً أي كان من فصيلة الملائكة ولَمّا خلق الله تعالى جنيناً في رحم مريم أمره أن ينزل إلى الأرض فيدخل في ذلك الجسم فدخل فكان المسيح ، ولَمّا ولدته أمّه كان عالماً بالكلام وغيره من علومٍ شتّى وإن كان في نظر الناس طفلاً رضيعاً (وَكَهْلاً) أي وتكلّم الناس أيضاً وأنت كهل ، وكان كلامه معهم بأمور دينية .

ثمّ ذكّره بنعم سابقة ونعم لاحقة فقال تعالى (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ) أي الكتب السماوية السالفة وهي صحف إبرهيم وصحف من كان قبله من الأنبياء ، وقد قرأها المسيح وتعلّمها قبل نزوله إلى الأرض (وَالْحِكْمَةَ) يعني وأعطيتك الفهم والعلم فتعلّمت علوماً كثيرة وأنت في السماء . ثمّ ذكّره بنعم لاحقة فقال تعالى (وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) أي وعلّمتك التوراة بأن قرأتها ودرستها في الأرض وأنت في جسمك المادّي ، وأعطيتك الإنجيل بأن ألهمت تلاميذك إيّاه فكتبوه . ولَمّا انتهى سبحانه من ذكر النعم العلمية أخذ في تعداد النعم المادّية وهي سابقة ولاحقة أيضاً فقال (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي) أي بإذنٍ منّي لك (فَتَنفُخُ فِيهَا) الروح أي في تلك الطينة فتدخل روحاً من أرواح الطيور فيها (فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) أي بإرادتي وقدرتي .
ثمّ أخذ سبحانه يذكّره بنعم لاحقة فقال (وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ) وهو المولود أعمى (وَالأَبْرَصَ) أي الذي في جلده برص ، وهي بقع بيضاء تخالف لون الجلد (بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى) من القبور أحياءً ، فقد أحيا أربعة أشخاص في اليوم الذي ماتوا فيه بأن أعاد الأرواح إلى أجسادها وذلك باختلاف المكان والزمان (بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ) يعني عن أذاك وإهانتك فلم يؤذوك كما آذت الأمم أنبياءها ، وذلك بأن جعلت رهبةً منك في قلوبهم لئلاّ يؤذوك (إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي بالبراهين الواضحة والمعاجز الظاهرة (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ) بك (مِنْهُمْ) أي من بني إسرائيل (إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) يعني ما هذه المعاجز التي جاء بِها المسيح إلاّ سحرٌ بيّن .

تمّ بعون الله تفسير المتشابه من سورة المائدة
ويليه تفسير سورة الأنعام
==============================================
سورة الأنعام

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة السورة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم