كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 112) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

112 - (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا) وذلك ليشيع أمر النبيّ ويذاع خبره وينتشر في الأرض ذكره (شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ) أي دجّالين من الإنس ودجّالين من الجنّ ، فكلمة شيطان معناها دجّال محتال (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) يعني شياطين الجنّ توحي إلى شياطين الإنس وتعلّمهم الدجل والإغراء وذلك بالإيحاء لا بالكلام (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) يعني يعلّمونهم القول المزخرف المعسول الذي يغري الناس ، وفي ذلك قال الشاعر :

يُعطيكَ مِنْ طَرَفِ اللّسانِ حلاوةً ..... وَيروغُ عنكَ كما يروغُ الثّعلبُ
(وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) وذلك بأن ينزّل عليهم الطاعون أو نوعاً آخر من العذاب فيهلكهم أجمعين ، ولكنّ الله تعالى أمهلَهم وخلّى بينهم وبين ما يعملون لمصالح لا تعلمونها (فَذَرْهُمْ) أي اتركهم (وَمَا يَفْتَرُونَ) علينا من الأكاذيب .

113 - ثمّ أخذ سبحانه في تسلية النبيّ ووعده بأنّ الكافرين سيصغون إلى القرآن في المستقبل إن لم يصغوا إليه اليوم وليقترفوا من علومه ما هم مقترفون اليوم ، وذلك قوله تعالى (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ) أي إلى استماع القرآن ، واللام لام العاقبة ، والمعنى في عاقبة الأمر تصغى إليه (أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) يعني منكرو البعث إن كانوا لا يصغون إليه اليوم فسيصغون إليه في زمن المهدي (وَلِيَرْضَوْهُ) إن كان بعضهم لا يرضى به في زمانك يا محمّد (وَلِيَقْتَرِفُواْ) من علومه (مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ) اليوم ، والاقتراف معناه الاغتراف أي الإكثار منه ، ولكن الاغتراف يستعمل للمادّيات ، والاقتراف يستعمل للمعنويات ، فيقال اغترف الماء بيده ولا يقال اغترف حسنة ، بل يقال اقترف حسنة وذلك كقوله تعالى في سورة الشورى {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا} . وهذه الآية معطوفة على ما سبق من قوله تعالى : (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..الخ) .

115 - (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) بالنصر للمسلمين على الكافرين ، أي تمّ لكم النصر الذي وعدكم به ، فالكلمة يعني الجملة (صِدْقًا وَعَدْلاً) يعني كلماته صادقة لا خلاف فيها ولاتتغيّر ، وهي عادلة أيضاً فلا يُظلَم أحد بِها (لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ) يعني لا يقدر قوم أن يبدّلوا كلام الله الذي وعد به أولياءه من النصر مهما كثر عدد الكافرين وقلّ عدد المؤمنين (وَهُوَ السَّمِيعُ) لأقوالهم (الْعَلِيمُ) بأفعالهم .

122 - (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) يعني أوَ مَن كان تراباً وجماداً فأحيَيناه وجعلناه بشراً يبصر ويسمع ويعقل كالكافر الذي لا يبصر طريق الحقّ ولا يسمع الموعظة , والألف من قوله (أَوَ مَن) للاستفهام (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) وهو نور العقل ونور القرآن ونور الهداية (يَمْشِي بِهِ فِي) هداية (النَّاسِ) مستضيئاً به عاملاً الخير وداعياً إلى الله (كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) أي كمن هو كافر والذي مَثَله كمثل الميّت المدفون في القبر والمختبئ في ظلماته لا يسمع ولا يبصر ولا يستفيد منه أحد وليس بخارج من تلك الظلمات ، والمعنى أتجعلون المؤمن الذي يفيد الناس ويرشدهم إلى الصلاح كالكافر الذي يضرّ الناس بجهله وعناده ولا ينفع أحداً كما أنّ المدفون في القبر لا يستفيد منه أحد (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) أي زيّنت لهم الشياطين أعمالهم .

123 - (وَكَذَلِكَ) أي كما جعلنا في مكّة أكابر يعني رؤساء (جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ) من (مُجَرِمِيهَا) أي جعلنا في كلّ مدينة رؤساء وأمددناهم بالمال والأولاد فطغَوا وتكبّروا على قومهم واستعبدوهم ومكروا بهم وذلك بسبب إجرامهم وظلم بعضهم بعضاً فسلّطنا عليهم الأكابر (لِيَمْكُرُواْ فِيهَا) أي في تلك القرية (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ) لأنّ عاقبة مكرهم تعود عليهم ، لأنّ قومهم تمقتهم وتعاديهم وأخيراً يقع القتال بينهم فيقتل بعضهم بعضاً فيهلك أكثرهم (وَمَا يَشْعُرُونَ) أنّ عاقبة مكرهم تعود عليهم .

جاء في الحديث القدسي قال الله تعالى : "الظالم سيفي أنتقم به ثمّ أنتقم منه ." ونظيرهذه الآية في سورة الإسراء {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} وأصلها أمّرنا بتشديد الميم اي جعلناهم أمراء وأكابر66 {فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} بالعذاب {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} .

128 - (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) أي نجمعهم (جَمِيعًا) الجنّ والإنس وذلك يوم القيامة فنقول للشياطين (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ) أي قد أغويتم كثيراً من الإنس ، فيقولون أمرنا بذلك أبونا فامتثلنا أمره ، وأبوهم هو إبليس ، ثمّ يوجّه السؤال إلى الإنس الذين اتّبعوا الشياطين ولم يؤمنوا بالرسل فيقول لهم لماذا لم تؤمنوا برسلي ولم تتّبعوهم فيقولون ربّنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيل (وَقَالَ) أيضاً (أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ) يعني وقال الإنس الذين اتّبعوا الشياطين (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) أي استمتعنا برؤسائنا واستمتع رؤساؤنا بنا فلم نتمكّن أن نتركهم ونتّبع الرسل وذلك لأنّنا تعوّدنا الجلوس معهم واستمتعنا بحديثهم ، وقد أمرونا أن نعادي الرسل ونطردهم من أرضنا (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا) يعني وقد أمهلتنا وبقينا أحياء حتّى جاء أجلنا بالموت ولم تعاقبنا في ذلك الوقت حين كذّبنا الرسل لنعلم أنّ ذلك العقاب كان بسبب تكذيبنا لهم (قَالَ) الله تعالى (النَّارُ مَثْوَاكُمْ) أي مصيركم ومقامكم (خَالِدِينَ فِيهَا) أي دائمين فيها . ثمّ استثنى المذنبين من الموحّدين فقال (إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ) أن يعفوَ عنه بعد تعذيبه (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ) في أفعاله (عَليمٌ) بعباده .

137 - (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ) الشيطان (لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ) فكان بعضهم يذبح ابنه قرباناً للأصنام ، وبعضهم يلقيه في النار وبعضهم ينذر لَها ثمّ يقرّب ابنه أو ابنته وفاءً لنذره 67، أمّا قريش فكانت تدفن بناتها وهي حية خوف العار ، وكانت غايتهم من ذلك (شُرَكَآؤُهُمْ) أي يذبحون أولادهم لأجل شركائهم (لِيُرْدُوهُمْ) أي ليوقعوهم في الردَى ، والمعنى : زيّنت لهم الشياطين قتل أولادهم ليوقعوهم في الردى (وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي وليلتبس عليهم دينهم الحقيقي ، لأنّهم كانوا قبلاً على دين إبراهيم فأغرتهم الشياطين وغيّرت دينهم (وَلَوْ شَاء اللّهُ) هدايتهم (مَا فَعَلُوهُ) ولكن خلّى بينهم وبين أعمالهم لأنّهم ظالمون (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي اتركهم وما يكذبون به على الله فسيلقَون جزاء أعمالهم .

-----------------------------------

66 :جاء في تفسير البيضاوي ص 477 "ويحتمَل أن يكون منقولاً من أُمِر بالضمّ إمارةً أي جعلناهم أمراء ، وأمّا في التفسير الواضح فقد صرّح بالتشديد إذ قال في المجلّد الثاني جزء 15 : " أمّرنا مترفيها أي جعلنا أغنياءها حكّامها وقادتها . " - المراجع .

67 :وذلك ماصنعته بنو إسرائيل وأثبتته التوراة في أماكن متعدّدة مِمّا مهّد ذلك في انقراض نسلهم وقطع دابرهم وأخصى نبوخذنصّر بقيّتهم. – المراجع . الأصحّ : "أخصى أكثرهم وليس كلهم لأنهم لم ينقرضوا تماماً ، كما قال تعالى أنه أرسل المسيح رسولاً إلى بني إسرائيل ، والمسيح جاء بعد السبي البابلي وبعد رجوعهم إلى فلسطين من بابل ، وكذلك زكريا قال كما في القرآن { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } ويعقوب هو إسرائيل ، وقد سألت المفسّر رحمه الله فأيد أنهم لم ينقرضوا كلهم . – المعلِّق .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم