كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 122) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

122 - (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) يعني أوَ مَن كان تراباً وجماداً فأحيَيناه وجعلناه بشراً يبصر ويسمع ويعقل كالكافر الذي لا يبصر طريق الحقّ ولا يسمع الموعظة , والألف من قوله (أَوَ مَن) للاستفهام (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) وهو نور العقل ونور القرآن ونور الهداية (يَمْشِي بِهِ فِي) هداية (النَّاسِ) مستضيئاً به عاملاً الخير وداعياً إلى الله (كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) أي كمن هو كافر والذي مَثَله كمثل الميّت المدفون في القبر والمختبئ في ظلماته لا يسمع ولا يبصر ولا يستفيد منه أحد وليس بخارج من تلك الظلمات ، والمعنى أتجعلون المؤمن الذي يفيد الناس ويرشدهم إلى الصلاح كالكافر الذي يضرّ الناس بجهله وعناده ولا ينفع أحداً كما أنّ المدفون في القبر لا يستفيد منه أحد (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) أي زيّنت لهم الشياطين أعمالهم .

123 - (وَكَذَلِكَ) أي كما جعلنا في مكّة أكابر يعني رؤساء (جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ) من (مُجَرِمِيهَا) أي جعلنا في كلّ مدينة رؤساء وأمددناهم بالمال والأولاد فطغَوا وتكبّروا على قومهم واستعبدوهم ومكروا بهم وذلك بسبب إجرامهم وظلم بعضهم بعضاً فسلّطنا عليهم الأكابر (لِيَمْكُرُواْ فِيهَا) أي في تلك القرية (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ) لأنّ عاقبة مكرهم تعود عليهم ، لأنّ قومهم تمقتهم وتعاديهم وأخيراً يقع القتال بينهم فيقتل بعضهم بعضاً فيهلك أكثرهم (وَمَا يَشْعُرُونَ) أنّ عاقبة مكرهم تعود عليهم .

جاء في الحديث القدسي قال الله تعالى : "الظالم سيفي أنتقم به ثمّ أنتقم منه ." ونظيرهذه الآية في سورة الإسراء {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} وأصلها أمّرنا بتشديد الميم اي جعلناهم أمراء وأكابر66 {فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} بالعذاب {فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} .

128 - (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ) أي نجمعهم (جَمِيعًا) الجنّ والإنس وذلك يوم القيامة فنقول للشياطين (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ) أي قد أغويتم كثيراً من الإنس ، فيقولون أمرنا بذلك أبونا فامتثلنا أمره ، وأبوهم هو إبليس ، ثمّ يوجّه السؤال إلى الإنس الذين اتّبعوا الشياطين ولم يؤمنوا بالرسل فيقول لهم لماذا لم تؤمنوا برسلي ولم تتّبعوهم فيقولون ربّنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيل (وَقَالَ) أيضاً (أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ) يعني وقال الإنس الذين اتّبعوا الشياطين (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) أي استمتعنا برؤسائنا واستمتع رؤساؤنا بنا فلم نتمكّن أن نتركهم ونتّبع الرسل وذلك لأنّنا تعوّدنا الجلوس معهم واستمتعنا بحديثهم ، وقد أمرونا أن نعادي الرسل ونطردهم من أرضنا (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا) يعني وقد أمهلتنا وبقينا أحياء حتّى جاء أجلنا بالموت ولم تعاقبنا في ذلك الوقت حين كذّبنا الرسل لنعلم أنّ ذلك العقاب كان بسبب تكذيبنا لهم (قَالَ) الله تعالى (النَّارُ مَثْوَاكُمْ) أي مصيركم ومقامكم (خَالِدِينَ فِيهَا) أي دائمين فيها . ثمّ استثنى المذنبين من الموحّدين فقال (إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ) أن يعفوَ عنه بعد تعذيبه (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ) في أفعاله (عَليمٌ) بعباده .

137 - (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ) الشيطان (لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ) فكان بعضهم يذبح ابنه قرباناً للأصنام ، وبعضهم يلقيه في النار وبعضهم ينذر لَها ثمّ يقرّب ابنه أو ابنته وفاءً لنذره 67، أمّا قريش فكانت تدفن بناتها وهي حية خوف العار ، وكانت غايتهم من ذلك (شُرَكَآؤُهُمْ) أي يذبحون أولادهم لأجل شركائهم (لِيُرْدُوهُمْ) أي ليوقعوهم في الردَى ، والمعنى : زيّنت لهم الشياطين قتل أولادهم ليوقعوهم في الردى (وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) أي وليلتبس عليهم دينهم الحقيقي ، لأنّهم كانوا قبلاً على دين إبراهيم فأغرتهم الشياطين وغيّرت دينهم (وَلَوْ شَاء اللّهُ) هدايتهم (مَا فَعَلُوهُ) ولكن خلّى بينهم وبين أعمالهم لأنّهم ظالمون (فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) أي اتركهم وما يكذبون به على الله فسيلقَون جزاء أعمالهم .

154 - (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا) إنّ أوّل ما جاء به موسى هي التوراة وهي عشر كلمات مكتوبة على لوحين من حجر ، ثمّ نزلت عليه أحكام وقوانين في الدين متفرّقة بالتدريج ، فكان موسى يعطيها إلى هارون فيكتبها في الرقّ . ومعنى الآية ثمّ أنزلنا على موسى أحكاماً في الدين حتّى تمّ الكتاب ، وذلك (عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ) وهو هارون أحسن مع قومه (وَ) كان الكتاب (تَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ) من أمور الدين (وَهُدًى وَرَحْمَةً) لبني إسرائيل (لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) أي يصدّقون .

آراء المفسّرين
جاء في كتاب مجمع البيان صفحة 385 المجلّد الرابع قال : "{ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} قيل في معنى{ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} ، مع أنّ كتاب موسى قبل القرآن ، ثمّ يقتضي التراخي وجوه (أحدها) أنّ فيه حذفاً وتقديره ثمّ قل يا محمّد آتينا موسى الكتاب ، بدلالة قل تعالَوا (وثانيها) أنّ تقديره ثمّ أتلُ عليكم (آتينا موسى الكتاب) ، ويكون عطفاً على معنى التلاوة ، والمعنى قل تعالَوا أتلُ ما حرّم ربّكم عليكم ثمّ أتلُ عليكم ما آتاه الله موسى ، عن الزجاج (وثالثها) أنّه عطف خبر على خبر لا عطف معنى على معنى وتقديره ثمّ أخبركم أنّه أعطى موسى الكتاب (ورابعها) أنّه يتّصل بقوله في قصّة إبراهيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب فعدّ سبحانه نعمته عليه بِما جعل في ذرّيته من الأنبياء ثمّ عطف عليه بذكر ما أنعم عليه بما آتى موسى من الكتاب والنبوّة وهو أيضاً من ذرّيّته ، عن أبي مسلم واستحسنه المغربي . {تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ} قيل فيه وجوه (أحدها): تماماً على إحسان موسى فكأنه قال ليكمل إحسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة عن الربيع والفراء و(ثانيها): تماماً على المحسنين عن مجاهد. وقيل: إن في قراءة عبد الله تماماً على الذي أحسنوا فكأنه قال تماماً للنعمة على المحسنين الذين هو أحدهم والنون قد تحذف من الذين ، ويجوز أن يكون الذي للجنس ويكون بمعنى من أحسن و(ثالثها): أن معناه تماماًعلى إحسان الله إلى أنبيائه عن ابن زيد و(رابعها): أن معناه تماماً لكرامته في الجنة على أحسانه في الدنيا عن الحسن وقتادة: وقال قتادة تقديره من أحسن في الدنيا تمت عليه كرامة الله في الآخرة و(خامسها): أن معناه تماماً على الذي أحسن الله سبحانه إلى موسى بالنبوة وغيرها من الكرامة عن الجبائي و(سادسها): ما قاله أبو مسلم أنه يتصل بقصة إبراهيم فيكون المعنى تماماً للنعمة على إبراهيم ولجزائه على إحسانه في طاعة ربه وذلك من لسان الصدق الذي سأل الله سبحانه أن يجعله له ولفظة على تقتضي المضاعفة عليه ولو قال تماماً ولم يأت بقولـه على الذي أحسن لدل على نقصانه قبل تكميله. " إنتهى . 68 وجاء في تفسير النسفي مثل هذه الأقوال أيضاً . إنتهى

-----------------------------------

66 :جاء في تفسير البيضاوي ص 477 "ويحتمَل أن يكون منقولاً من أُمِر بالضمّ إمارةً أي جعلناهم أمراء ، وأمّا في التفسير الواضح فقد صرّح بالتشديد إذ قال في المجلّد الثاني جزء 15 : " أمّرنا مترفيها أي جعلنا أغنياءها حكّامها وقادتها . " - المراجع .

67 :وذلك ماصنعته بنو إسرائيل وأثبتته التوراة في أماكن متعدّدة مِمّا مهّد ذلك في انقراض نسلهم وقطع دابرهم وأخصى نبوخذنصّر بقيّتهم. – المراجع . الأصحّ : "أخصى أكثرهم وليس كلهم لأنهم لم ينقرضوا تماماً ، كما قال تعالى أنه أرسل المسيح رسولاً إلى بني إسرائيل ، والمسيح جاء بعد السبي البابلي وبعد رجوعهم إلى فلسطين من بابل ، وكذلك زكريا قال كما في القرآن { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } ويعقوب هو إسرائيل ، وقد سألت المفسّر رحمه الله فأيد أنهم لم ينقرضوا كلهم . – المعلِّق .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم