كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 2) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

2 - (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ) أي خلق أباكم من طين ، والمعنى بدأ خلقكم من طين (ثُمَّ قَضَى) لكم (أَجَلاً) في دار الدنيا ، والأجَل هو من يوم ولد الإنسان إلى يوم يموت (وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ) في عالم البرزخ ، والمعنى وجعل لكم أجَلاً آخر باقين فيه ، وهو من موتكم إلى يوم القيامة ، والأجَل معناه التأجيل أي الإمهال ، والمسمّى معناه المقدّر لكم (ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ) أي تشكّون وتجادلون .

فهذه الآية تصرّح وتؤكّد بأنّ الإنسان لا يزول من الوجود بموته بل ينتقل من عالم مادّي إلى عالم أثيري ، وبعبارة أخرى أقول أنّ الإنسان لا يموت بل ينتقل من دار إلى دار ، لأنّ النفس هي الإنسان الحقيقي أمّا الجسم فلا حاجة فيه بعد خروج النفس منه ، فيجب على الإنسان أن يتهيّأ للإنتقال إلى الدار الأخرى التي يرحل إليها عن قريب فيهيّئ له متاعاً وأثاثاً وألبسة وأطعمة وغير ذلك ، ويجب عليه أن يتزوّد من ذلك لأنّه باقٍ هناك لا يرتحل ولا يموت موتة ثانية قال الله تعالى في سورة البقرة {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} .
وقد شرحت عن العالم الأثيري في كتابي  الإنسان بعد الموت وكتابي ساعة قضيتها مع الأرواح شرحاً وافياً فإن أردت زيادة إيضاح فطالع أحدهما تجد ما يسرّك .

5 - (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ) به محمّد من الأدلّة العقلية والبراهين العلمية والآيات القرآنية واستهزؤوا بِها ، وكان استهزاؤهم بالآيات المتشابهة من القرآن (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ) في المستقبل (أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) من الآيات المتشابهة ، يعني سيأتيهم تأويلها وتفسيرها حتّى يعلموا أنّه كلام الله وليس من قول البشر كما يزعمون . والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة ص : {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} ، أي بعد زمن .

8 - (وَقَالُواْ) أي كفّار قريش (لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) من السماء فيخبرنا بأنّ محمّداً نبيّ وهو صادق في دعوته . فردّ الله عليهم قولهم وقال (وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ) بإهلاكهم ، والمعنى لو أنزلنا ملَكاً من السماء كما اقترحوا لقالوا عند رؤيته هذا سحرٌ مبين ، كما قال فرعون وقومه لَمّا رأوا العصا صارت حية ، فكذلك قريش إذا لم يؤمنوا عند رؤية الملَك وجب عليهم الهلاك والدمار فنهلكهم وينتهي الأمر (ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ) أي لا يمهلون .

9 - (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً) لأنّ الملائكة أثيريون لا تراهم الناس ولا تسمع أصواتهم إلا بالإيحاء فيجب أن نجعل للملَك جسماً مادياً لكي يراه الناس (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) يعني إذا جعلناه رجلاً التبس الأمر عليهم كما هم ملتبسون الآن .

12 - (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ) أي يجمع أرواحكم في عالم البرزخ ، لأنّ النفس هي الإنسان الحقيقي (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ثمّ يحاسبكم ويجازيكم ، فمجمع النفوس يكون هناك فيلتقي الأبناء بالآباء (لاَ رَيْبَ فِيهِ) أي لا شكّ في يوم القيامة لأنّه آتٍ لا محالة ، إنّ الكافرين المنكرين له (الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ) حيث أبدلوا الجنَة بالنار والعزّ بالعار (فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) بالحساب .

19 - أتى أهلَ مكّة رسولُ الله فقالوا : "أما وجد الله رسولاً غيرك ؟ ما نرى أحداً يصدّقك فيما تقول ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فقالوا أنّه ليس لك عندهم ذكر فأرِنا من يشهد لك أنّك رسول الله كما تزعم ." فأنزل الله هذه الآية :

(قُلْ) يا محمّد لهؤلاء الكافرين (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً)62 على صدقي كلام الله أم كلام الناس ؟ فالله أعلم بالأشياء من الناس وهو الذي أرسلني والقرآن كلامه ، فلماذا تصدّقون كلام اليهود والنصارى وتكذّبون كلام الله ؟ (قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ) يسمع أقوالكم ويرى أفعالكم ، وكلامه القرآن يشهد لي بأنّي رسول الله إليكم (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ) من عذاب الله وعقابه إن لم تؤمنوا وتتركوا عبادة الأوثان (وَمَن بَلَغَ) أشدّه أيضاً ينذر بالقرآن وهو يشهد لي أيضاً . ونظيرها في آخر سورة الرعد وهي قوله تعالى {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} . يعني ومن عنده علم الكتاب فهو يشهد لي أيضاً ، ويريد به المهدي وكذلك قوله تعالى (وَمَن بَلَغَ) يريد به المهدي وذلك من قوله تعالى في سورة الأحقاف {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ..الخ} ، وهذه الآية في وصف المهدي وهي في سورة الأحقاف .
(أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى) هذا سؤال على وجه الإنكار والتوبيخ وتقديره كيف تشهدون أنّ مع الله آلهةً أخرى بعد وضوح الأدلّة وقيام الحجّة على وحدانيّته (قُل لاَّ أَشْهَدُ) كما تشهدون (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) به .
وجاء في كتاب مجمع البيان في المجلّد الرابع صفحة 282 قال : "وفي تفسير العياشي قال أبو جعفر وأبو عبد الله (ع) : " (مَن بَلَغَ ) معناه من بلغ أن يكون إماماً (يعني المهدي) فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله . وعلى هذا يكون قوله (وَمَن بَلَغَ) في موضع رفع عطفاً على الضمير في (أُنذِرَ .")

23 - (ثُمَّ لَمْ تَكُن) نتيجة (فِتْنَتُهُمْ) بالأصنام ، أي افتتانهم بِها (إِلاَّ أَن قَالُواْ) بعد موتهم (وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) وهذا على اعتقادهم بأنّهم لم يجعلوها آلهة بل عبدوها لتشفع لهم عند الله ، وذلك من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله .

24 - (انظُرْ) يا محمّد إلى هؤلاء المشركين (كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ) بقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، (وَضَلَّ عَنْهُم) أي غاب عنهم وضاع منهم (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) به على الناس من أمر الشفاعة .

-----------------------------------

62 :قال المفسّرون وفي الآية دلالة على أنّ الله تعالى يجوز أن يسمّى شيء . أقول : لا يجوز ذلك لأنّ لفظة شيء معناها المادّة ، وإنّ الله تعالى يجلّ عن المادّة ، فقد قال تعالى في سورة الشورى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم