كتاب المتشابه من القرآن


كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 33) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

33 - (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ) قولهم (الَّذِي يَقُولُونَ) إنّه مجنون وساحر وشاعر (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ) في قلوبهم لأنّهم يعرفونك صادقاً (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ) منهم ، أي رؤساءهم (بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) تكبّراً منهم وعناداً . روي أنّه التقى أخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال له :"يا أبا الحكم أخبرني عن محمّد أصادق هو أم كاذب فإنّه ليس هاهنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ؟" فقال أبو جهل : "ويحك والله إنّ محمّداً لصادق وما كذب قطّ ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش ؟"

35 - لَمّا جاء النبيّ إلى قريش ودعاهم إلى الإسلام قالوا : "ائتنا بمعجزة فنؤمن بك ونصدّقك ." فسأل النبيّ من الله أن يعطيه معجزة فنزل قوله تعالى في سورة العنكبوت {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} ، فعاد النبيّ يدعو قومه للإسلام ، فقالوا نريد معجزة ، فقال هذا القرآن معجزة ، فقالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، فنزل قوله تعالى في سورة الطور {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ } . فقالوا نريد معجزة كما جاء بِها موسى وعيسى وغيرهم من المعاجز المادّية . فسأل الله أن يعطيه معجزة فنزل قوله تعالى في سورة النحل {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ومعناه لقد أعطيناك معجزة علمية وهي القرآن فادعُ قومك بِها ، أمّا المعجزة المادّية كالعصا والناقة وغيرها لا فائدة فيها لأنّنا لو أعطيناك معجزة مادّية كما اقترحوا عليك ورأوها بأعينهم لقالوا هذا سحر مبين ، فحينئذٍ وجب علينا إهلاكهم ونحن لا نريد إهلاكهم .

ثمّ عاد النبيّ يدعو قومه إلى الإسلام فكرّروا عليه القول وطلبوا منه المعجزة ، فقال ربِّ إنّ قومي يريدون معجزة مادّية فنزلت هذه الآية :
(وَإِن كَانَ كَبُرَ) أي عظم واشتدّ (عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) وانصرافهم عن الإيمان (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ) أي قدرت وتمكّنت (أَن تَبْتَغِيَ) أي تطلب وتتّخذ (نَفَقًا فِي الأَرْضِ) أي نقباً ومنفذاً في جوف الأرض فانزل إليه وأخرِجْ لهم معجزة إن أمكنك ذلك (أَوْ) اتّخذْ لك (سُلَّمًا) أي مصعداً (فِي السَّمَاء) فاصعدْ فيه إلى السماء وائتهم بمعجزة إن كان ذلك باستطاعتك وإرادة قومك ، وذلك قوله تعالى (فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ) أي بمعجزة ، ولكنّ الأمر بأيدينا فإنّنا لا نرى فائدة في المعاجز المادّية والأحسن منها أدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ولكنّ الله يهدي من يشاء ، أي يهدي من يستحقّ الهداية (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) بتكرارك طلب المعجزة .

36 - (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ) لك ويؤمن بك (الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) ويعقلون (وَالْمَوْتَى) الذين لا يسمعون لقولك ولا يؤمنون بك (يَبْعَثُهُمُ اللّهُ) يوم القيامة (ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) فيعاقبهم على كفرهم وتكبّرهم وعنادهم .

37 - (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ) أي معجزة (مِّن رَّبِّهِ قُلْ) يا محمّد لهم (إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) عاقبة ذلك لأنّنا إذا أنزلنا عليهم معجزة كما اقترحوها ولم يؤمنوا أهلكناهم أجمعين .

59 - كانت قريش تحيك المؤامرات ضدّ النبيّ وتريد الفتك به ، وكان الله تعالى يخبره بذلك فيأخذ الحذر منهم ، فقال بعضهم لبعض مَن أخبر محمّداً بِما أضمرناه له فهل أنّ محمّداً يعلم الغيب أم أنّ أحداً من قريش يخبره بذلك ؟ فنزلت هذه الآية :

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) أي خزائن الغيب وأخبارها (لاَ يَعْلَمُهَا) أحد من الناس فيخبر بها محمّداً (إِلاَّ هُوَ) يعلمها فيخبر بها رسوله ليأخذ الحذر (وَيَعْلَمُ) ايضاً (مَا فِي الْبَرِّ) من حيوانات برّية (وَالْبَحْرِ) من مخلوقات بحرية (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ) من الأشجار (إِلاَّ يَعْلَمُهَا) فهو يحصي أعمالكم والملائكة تكتبها في صحائف أعمالكم (وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) يعني مهما عملتم من صغيرة أو كبيرة تكتب في صحائف أعمالكم وبتبيّن لكم ذلك يوم القيامة . ونظيرها في سورة سبأ وهي قوله تعالى في سورة سبأ {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.

69 - لَمّا نزل قوله تعالى في سورة الأنعام {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال المسلمون كيف نصنع إذا دخلنا المسجد الحرام وهناك سمعنا المشركين يستهزؤون بالقرآن ، فنزلت هذه الآية :

(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ) أي يتّقون استهزاءهم ويبتعدون عنهم ، ما عليهم (مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ) أي ما عليهم من حساب المشركين من شيء ، والحساب معناه العقاب والمؤاخذة بالآثام ، ومعناه ما على المتّقين من عقاب الكافرين من شيء فكلّ واحد يؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره . وكذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم {إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، يعني سريع العقاب والمؤاخذة بالدنيا قبل الآخرة . وقوله (وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعني ولكن تذكيراً لهم لعلّهم يتّقون مجالستهم والابتعاد عنهم حين استهزائهم بالقرآن .

70 - (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) ويريد بذلك المشركين الذين كذّبوا النبيّ واستهزؤوا به ، والمعنى أتركهم ولا تخاطبْهم مرّة أخرى لأنّ الكلام لا يفيد معهم (وَذَكِّرْ بِهِ) أي بالقرآن ، يعني عظ وأنذر به غيرهم ، والمعنى أدعُ الناس إلى الإيمان مرّة واحدة فمن أسلم وآمن فلنفسه ومن عاند وجحد نبوّتك أتركه وادعُ غيره وسيلقى عقابه بعد موته (أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ) من الآثام ، يعني ألا تخاف النفس المكذّبة المعاندة أن تبسل في عالم البرزخ من بين الكافرين وتؤخذ إلى جهنّم .

ولا تزال هذه الكلمة مستعملة عندنا في العراق لتفريق نوعين من الفواكه أو الحبوب على أن يكون أحدهما قليلاً والآخر أكثر منه فيؤخذ القليل واحدة فواحدة ويترك الآخر فيقول لصاحبه إبسل البرتقال عن النومي (ليمون) يعني أعزله . أو تستعمل لفاكهة واحدة ولكن فيها الجيّد والرديء فيقول لصاحبه إبسل التمر ، أي إعزل الجيد من الرديء ، فالجيّد المعزول يقال فيه (مبسول) أمَا الرديء يقال فيه (بسالة) ، وقد قلنا في كتابنا الإنسان بعد الموت أنّ دخول جهنّم في عالم البرزخ خاصّ للأمّة التي كذّبت رسلها مواجهةً وليس لجميع الكافرين أمّا الباقون فدخولهم فيها يكون يوم القيامة . فإنّ الله تعالى يأمر ملائكة العذاب أن تلتقط هؤلاء المكذّبين من بين الكافرين واحداً بعد الآخر وتغلّل أيديهم بسلاسل من حديد وتأخذهم إلى جهنّم ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحاقّة {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} ، وقوله (لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ) يتولّى أمرها ويدافع عنها (وَلاَ شَفِيعٌ) يشفع لها ويخلّصها من عذاب الله (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا) يعني وإن تعادل آثامها بكلّ شيء من مال الدنيا وتفدي به لتخلص من العذاب فلا يقبل منها والمعنى لا يدفع عنها العذاب وليّ ولا شفيع ولا مال (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ) اي التُقِطوا من بين الكافرين وأُخِذوا إلى جهنّم (بِمَا كَسَبُواْ) اي بسبب ما كسبوا من الآثام والتكذيب لرسلنا (لَهُمْ) في جهنّم (شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ) أي ساخن يغلي (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم (بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) بآيات الله .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم