كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 59) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

59 - كانت قريش تحيك المؤامرات ضدّ النبيّ وتريد الفتك به ، وكان الله تعالى يخبره بذلك فيأخذ الحذر منهم ، فقال بعضهم لبعض مَن أخبر محمّداً بِما أضمرناه له فهل أنّ محمّداً يعلم الغيب أم أنّ أحداً من قريش يخبره بذلك ؟ فنزلت هذه الآية :

(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) أي خزائن الغيب وأخبارها (لاَ يَعْلَمُهَا) أحد من الناس فيخبر بها محمّداً (إِلاَّ هُوَ) يعلمها فيخبر بها رسوله ليأخذ الحذر (وَيَعْلَمُ) ايضاً (مَا فِي الْبَرِّ) من حيوانات برّية (وَالْبَحْرِ) من مخلوقات بحرية (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ) من الأشجار (إِلاَّ يَعْلَمُهَا) فهو يحصي أعمالكم والملائكة تكتبها في صحائف أعمالكم (وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) يعني مهما عملتم من صغيرة أو كبيرة تكتب في صحائف أعمالكم وبتبيّن لكم ذلك يوم القيامة . ونظيرها في سورة سبأ وهي قوله تعالى في سورة سبأ {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}.

69 - لَمّا نزل قوله تعالى في سورة الأنعام {فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال المسلمون كيف نصنع إذا دخلنا المسجد الحرام وهناك سمعنا المشركين يستهزؤون بالقرآن ، فنزلت هذه الآية :

(وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ) أي يتّقون استهزاءهم ويبتعدون عنهم ، ما عليهم (مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ) أي ما عليهم من حساب المشركين من شيء ، والحساب معناه العقاب والمؤاخذة بالآثام ، ومعناه ما على المتّقين من عقاب الكافرين من شيء فكلّ واحد يؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره . وكذلك قوله تعالى في سورة إبراهيم {إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} ، يعني سريع العقاب والمؤاخذة بالدنيا قبل الآخرة . وقوله (وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعني ولكن تذكيراً لهم لعلّهم يتّقون مجالستهم والابتعاد عنهم حين استهزائهم بالقرآن .

70 - (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) ويريد بذلك المشركين الذين كذّبوا النبيّ واستهزؤوا به ، والمعنى أتركهم ولا تخاطبْهم مرّة أخرى لأنّ الكلام لا يفيد معهم (وَذَكِّرْ بِهِ) أي بالقرآن ، يعني عظ وأنذر به غيرهم ، والمعنى أدعُ الناس إلى الإيمان مرّة واحدة فمن أسلم وآمن فلنفسه ومن عاند وجحد نبوّتك أتركه وادعُ غيره وسيلقى عقابه بعد موته (أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ) من الآثام ، يعني ألا تخاف النفس المكذّبة المعاندة أن تبسل في عالم البرزخ من بين الكافرين وتؤخذ إلى جهنّم .

ولا تزال هذه الكلمة مستعملة عندنا في العراق لتفريق نوعين من الفواكه أو الحبوب على أن يكون أحدهما قليلاً والآخر أكثر منه فيؤخذ القليل واحدة فواحدة ويترك الآخر فيقول لصاحبه إبسل البرتقال عن النومي (ليمون) يعني أعزله . أو تستعمل لفاكهة واحدة ولكن فيها الجيّد والرديء فيقول لصاحبه إبسل التمر ، أي إعزل الجيد من الرديء ، فالجيّد المعزول يقال فيه (مبسول) أمَا الرديء يقال فيه (بسالة) ، وقد قلنا في كتابنا الإنسان بعد الموت أنّ دخول جهنّم في عالم البرزخ خاصّ للأمّة التي كذّبت رسلها مواجهةً وليس لجميع الكافرين أمّا الباقون فدخولهم فيها يكون يوم القيامة . فإنّ الله تعالى يأمر ملائكة العذاب أن تلتقط هؤلاء المكذّبين من بين الكافرين واحداً بعد الآخر وتغلّل أيديهم بسلاسل من حديد وتأخذهم إلى جهنّم ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحاقّة {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ . ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ . ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} ، وقوله (لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ) يتولّى أمرها ويدافع عنها (وَلاَ شَفِيعٌ) يشفع لها ويخلّصها من عذاب الله (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا) يعني وإن تعادل آثامها بكلّ شيء من مال الدنيا وتفدي به لتخلص من العذاب فلا يقبل منها والمعنى لا يدفع عنها العذاب وليّ ولا شفيع ولا مال (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ) اي التُقِطوا من بين الكافرين وأُخِذوا إلى جهنّم (بِمَا كَسَبُواْ) اي بسبب ما كسبوا من الآثام والتكذيب لرسلنا (لَهُمْ) في جهنّم (شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ) أي ساخن يغلي (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم (بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) بآيات الله .

71 - دعا بعض المشركين من أسلم وآمن بمحمّد فقالوا لهم لا يغرّنّكم محمّد بدينه إرجعوا إلى دينكم ودين آبائكم . فنزلت هذه الآية :

(قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا) يعني تدعونا إلى عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا) أي نرجع إلى الوراء ، وهذه كناية عن الجهل ، والمعنى أتريدون أن نرجع إلى جهلنا وضلالنا الذي كنّا عليه معكم (بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ) إلى الإسلام ونجّانا من الكفر والضلال (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ) وهو إبن نوح الذي أغوته وأغرته63 شياطين الإنس ، وهم الكافرون من قوم أبيه حيث قالوا له لا تركب مع أبيك في السفينة بل ابقَ معنا فسمع كلامهم وهلك معهم ، فكذلك أنتم تريدون أن تغرونا بقولكم فنترك رسول الله ونرجع إلى عبادة الأوثان والأصنام فهذا لا يكون ، وقوله (حَيْرَانَ) أي وقع في حيرة من أمره لأنّ قوم أبيه يمنعونه من الركوب في السفينة ، وأصحاب أبيه المؤمنين يدعونه إليهم ليركب معهم فلا يدري مع أيّهما يذهب (لَهُ أَصْحَابٌ) وهم المؤمنون الذين في السفينة (يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى) ويقولون له (ائْتِنَا) أي تعال معنا ، ولكنّه لم يركب معهم بل بقي مع الكافرين فغرق وهلك (قُلْ) يا محمّد لهؤلاء الكافرين (إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ) الذي لا يحيد عنه صاحبه ، والمعنى إنّ الله تعالى إذا هدى أحداً إلى الإيمان وزيّنه في قلبه فلا تقدرون أنتم على إرجاعه عن الإسلام (وَ) قل لهم (أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ) أي لنستسلم (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فأسلمنا وآمَنّا .
آراء المفسّرين
جاء في كتاب مجمع البيان للطبرسي في المجلّد الرابع صفحة 319 في تفسير هذه الآية قال : " {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ} لا يهتدي إلى طريق ، وقيل معناه استغوته الغيلان في المهامه ، عن ابن عبّاس وقيل معناه دعته الشياطين إلى اتّباع الهوى ، وقيل أهلكته ، وقيل ذهبت به ، عن نفطويه وقيل أضلّته ، عن أبي مسلم {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} أي إلى الطريق الواضح يقولون له ائتنا ولا يقبل منهم ولا يصير إليهم لأنّه قد تحيّر لاستيلاء الشيطان عليه يهوى ولا يهتدي ."
وجاء في تفسير النسفي صفحة 15 من سورة الأنعام قال : " {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ} كالذي ذهبت به الغيلان ومردة الجنّ {فِي الأَرْضِ} المهمه {حَيْرَانَ} أي تائهاً ضالاً عن الجادّة لا يدري كيف يصنع {لَهُ} لهذا المستهوي64 { أَصْحَابٌ } رفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى} إلى أن يهدوه الطريق ، سمّي الطريق المستقيم بالهدى ، يقولون له {ائْتِنَا} وقد اعتسف المهمه تابعاً للجنّ لا يجيبهم ولا يأتيهم ، وهذا مبنيّ على ما يقال أنّ الجنّ تستهوي الإنسان والغيلان تستولي عليه ، فشبّه به الضالّ عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم ." إنتهى .

-----------------------------------

63 :وإنّما قال تعالى (اسْتَهْوَتْهُ) ولم يقل أغوته لأنّ ابن نوح أحبّ فتاة منهم فقالوا له إبقَ معنا ونعطيك الفتاة ، فبقي معهم .

64 :يلاحظ في التفسيرين أعلاه لم يبيّن أحدهما من هو هذا (الذي) ، ولم يعرف أيّ منهما شخصيّته ، لكنّ سماحة المؤلّف بيّنه ووضّحه ،وليس فقط العلاّمة الطبرسي والنسفي يجهلانه ، فإنّ البيضاوي في ص 266 لم يبيّن اسمه وكذا في الجلالين لم يذكر من هو المستهوى ، وكذا لم يبيّن اسمه الشيخ محمّد محمود حجازي في التفسير الواضح ، ومن كلّ ذلك يصبح سماحة المؤلّف أوّل من وضّحه . – المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم