كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 71) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

71 - دعا بعض المشركين من أسلم وآمن بمحمّد فقالوا لهم لا يغرّنّكم محمّد بدينه إرجعوا إلى دينكم ودين آبائكم . فنزلت هذه الآية :

(قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا) يعني تدعونا إلى عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا) أي نرجع إلى الوراء ، وهذه كناية عن الجهل ، والمعنى أتريدون أن نرجع إلى جهلنا وضلالنا الذي كنّا عليه معكم (بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ) إلى الإسلام ونجّانا من الكفر والضلال (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ) وهو إبن نوح الذي أغوته وأغرته63 شياطين الإنس ، وهم الكافرون من قوم أبيه حيث قالوا له لا تركب مع أبيك في السفينة بل ابقَ معنا فسمع كلامهم وهلك معهم ، فكذلك أنتم تريدون أن تغرونا بقولكم فنترك رسول الله ونرجع إلى عبادة الأوثان والأصنام فهذا لا يكون ، وقوله (حَيْرَانَ) أي وقع في حيرة من أمره لأنّ قوم أبيه يمنعونه من الركوب في السفينة ، وأصحاب أبيه المؤمنين يدعونه إليهم ليركب معهم فلا يدري مع أيّهما يذهب (لَهُ أَصْحَابٌ) وهم المؤمنون الذين في السفينة (يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى) ويقولون له (ائْتِنَا) أي تعال معنا ، ولكنّه لم يركب معهم بل بقي مع الكافرين فغرق وهلك (قُلْ) يا محمّد لهؤلاء الكافرين (إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ) الذي لا يحيد عنه صاحبه ، والمعنى إنّ الله تعالى إذا هدى أحداً إلى الإيمان وزيّنه في قلبه فلا تقدرون أنتم على إرجاعه عن الإسلام (وَ) قل لهم (أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ) أي لنستسلم (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فأسلمنا وآمَنّا .
آراء المفسّرين
جاء في كتاب مجمع البيان للطبرسي في المجلّد الرابع صفحة 319 في تفسير هذه الآية قال : " {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ} لا يهتدي إلى طريق ، وقيل معناه استغوته الغيلان في المهامه ، عن ابن عبّاس وقيل معناه دعته الشياطين إلى اتّباع الهوى ، وقيل أهلكته ، وقيل ذهبت به ، عن نفطويه وقيل أضلّته ، عن أبي مسلم {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} أي إلى الطريق الواضح يقولون له ائتنا ولا يقبل منهم ولا يصير إليهم لأنّه قد تحيّر لاستيلاء الشيطان عليه يهوى ولا يهتدي ."
وجاء في تفسير النسفي صفحة 15 من سورة الأنعام قال : " {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ} كالذي ذهبت به الغيلان ومردة الجنّ {فِي الأَرْضِ} المهمه {حَيْرَانَ} أي تائهاً ضالاً عن الجادّة لا يدري كيف يصنع {لَهُ} لهذا المستهوي64 { أَصْحَابٌ } رفقة {يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى} إلى أن يهدوه الطريق ، سمّي الطريق المستقيم بالهدى ، يقولون له {ائْتِنَا} وقد اعتسف المهمه تابعاً للجنّ لا يجيبهم ولا يأتيهم ، وهذا مبنيّ على ما يقال أنّ الجنّ تستهوي الإنسان والغيلان تستولي عليه ، فشبّه به الضالّ عن طريق الإسلام التابع لخطوات الشيطان والمسلمون يدعونه إليه فلا يلتفت إليهم ." إنتهى .

73 - (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) أي الكواكب السيّارة والأرض65 (بِالْحَقِّ) أي بإتقان واتّزان (وَيَوْمَ) القيامة (يَقُولُ) لذلك الإتقان والإعمار (كُن) خراباً (فَيَكُونُ) وهو اليوم الذي تتمزّق فيه المجموعة الشمسية بأسرها (قَوْلُهُ الْحَقُّ) أي الصدق فما أخبر عنه كائن لا محالة (وَلَهُ الْمُلْكُ) فلا يملك في ذلك اليوم غيره لأنّ الناس كلّها تموت وتصعد الأرواح في الفضاء (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ) ذكرنا عنالصورفي كتابنا الكون والقرآن بالتفصيل (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي ما غاب عنكم وما حضر (وَهُوَ الْحَكِيمُ) في صنعه (الْخَبِيرُ) بِما يكون .

98 - (وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) سبق تفسيرها في [أوّل] سورة النساء (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) "المستقرّ" هو بيت الأرحام استقرّت فيه النطفة ، والشاهد على ذلك قوله تعالى {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء} و"المستودَع" هو الجسم لأنّ الروح تكون فيه وديعة أي أمانة إلى يوم أجلها فتخرج منه وتنتقل إلى العالم الأثيري ، ولا تزال هذه العبارة مستعملة عند الناس فتسمع من بِه ضيم يقول ربّي خذ أمانتك ، يعني روحه . ويقول الآخر يكفيني هذا البيت حتّى يأخذ الله أمانته ، يريد روحه . (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ) أي الدلالات التي تدلّ على قدرة الله وحكمته (لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) أي يعلمون .

103 - (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) البصر عين الروح وجمعه أبصار ، والمعنى لا تراه الأرواح بأبصارها ولا الأجسام بعيونِها (وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) أي يراها ويدرك خيانتها ، ومثله قوله تعالى في سورة غافر {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} والمعنى أنّ الله تعالى يرى مخلوقاته وهي لا تراه ، ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنعام {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} (وَهُوَ اللَّطِيفُ) بعباده (الْخَبِيرُ) في خلقه .

وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المؤمنين يرَون الله يوم القيامة واستشهدوا بقوله تعالى في سورة القيامة {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {.
أقول ليس المقصود من كلمة {نَاظِرَةٌ} هو النظر إلى وجه الله تعالى بل المقصود منها الانتظار ، والمعنى إلى جزاء أعمالها منتظرة ، وكذلك قوله تعالى في الزمر {فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ} ، أي ينتظرون جزاء أعمالهم ، وهذا في بادئ الأمر من يوم القيامة ، ثمّ يدخل المؤمنون الجنّة ويتنعّمون بنعيمها فحينئذٍ ينطبق فيهم قوله تعالى في سورة الغاشية {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ . لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} . فكلمة ينظرون معناها ينتظرون ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف حاكياً عن إبليس {قَالَ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ، أي أمهلني .
فلو تراه العيون لرآه موسى بن عمران لَمّا أغراه قومه فقال ربِّ أرني أنظرْ إليك قال لن تراني . ولو تراه الأبصار لرآه حبيبه محمّد لَمّا عرِج به إلى السماء ، فمن قال بذلك فهو آثم .

105 - (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ) في عقولكم لتفهموها ، أي نبيّنها لكم على التفصيل لتفهموها ، والآيات يريد بِها البيّنات والدلالات (وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ) قالت قريش لقد درس التوراة عند اليهود فجاءنا محمّد وادّعى النبوّة (وَلِنُبَيِّنَهُ) أي المتشابه من القرآن (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) في المستقبل ، يعني ولنبيّن تفسير المتشابه من القرآن لقومٍ يعلمون علم الفلك والصحّة والجغرافيا والهندسة والكيمياء وغير ذلك لأنّهم عارفون بالأشياء فيؤمنون بالحقيقة ويدرسونها دراسة دقيقة . ونظيرها قوله تعالى في سورة القيامة {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، أي بيان ما اشتبه عليهم من القرآن .

-----------------------------------

63 :وإنّما قال تعالى (اسْتَهْوَتْهُ) ولم يقل أغوته لأنّ ابن نوح أحبّ فتاة منهم فقالوا له إبقَ معنا ونعطيك الفتاة ، فبقي معهم .

64 :يلاحظ في التفسيرين أعلاه لم يبيّن أحدهما من هو هذا (الذي) ، ولم يعرف أيّ منهما شخصيّته ، لكنّ سماحة المؤلّف بيّنه ووضّحه ،وليس فقط العلاّمة الطبرسي والنسفي يجهلانه ، فإنّ البيضاوي في ص 266 لم يبيّن اسمه وكذا في الجلالين لم يذكر من هو المستهوى ، وكذا لم يبيّن اسمه الشيخ محمّد محمود حجازي في التفسير الواضح ، ومن كلّ ذلك يصبح سماحة المؤلّف أوّل من وضّحه . – المراجع .

65 :تبويب الآيات الدالّة على السماوات إلى أبواب وتوضيحها أوردها سماحة المؤلّف في أوّل كتابه الكون والقرآن مِمّا لا تجده فيما سواه من كتب . – المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم