كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأنعام من الآية( 9) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

9 - (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً) لأنّ الملائكة أثيريون لا تراهم الناس ولا تسمع أصواتهم إلا بالإيحاء فيجب أن نجعل للملَك جسماً مادياً لكي يراه الناس (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ) يعني إذا جعلناه رجلاً التبس الأمر عليهم كما هم ملتبسون الآن .

12 - (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ) أي يجمع أرواحكم في عالم البرزخ ، لأنّ النفس هي الإنسان الحقيقي (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ثمّ يحاسبكم ويجازيكم ، فمجمع النفوس يكون هناك فيلتقي الأبناء بالآباء (لاَ رَيْبَ فِيهِ) أي لا شكّ في يوم القيامة لأنّه آتٍ لا محالة ، إنّ الكافرين المنكرين له (الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ) حيث أبدلوا الجنَة بالنار والعزّ بالعار (فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) بالحساب .

19 - أتى أهلَ مكّة رسولُ الله فقالوا : "أما وجد الله رسولاً غيرك ؟ ما نرى أحداً يصدّقك فيما تقول ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فقالوا أنّه ليس لك عندهم ذكر فأرِنا من يشهد لك أنّك رسول الله كما تزعم ." فأنزل الله هذه الآية :

(قُلْ) يا محمّد لهؤلاء الكافرين (أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً)62 على صدقي كلام الله أم كلام الناس ؟ فالله أعلم بالأشياء من الناس وهو الذي أرسلني والقرآن كلامه ، فلماذا تصدّقون كلام اليهود والنصارى وتكذّبون كلام الله ؟ (قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ) يسمع أقوالكم ويرى أفعالكم ، وكلامه القرآن يشهد لي بأنّي رسول الله إليكم (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ) من عذاب الله وعقابه إن لم تؤمنوا وتتركوا عبادة الأوثان (وَمَن بَلَغَ) أشدّه أيضاً ينذر بالقرآن وهو يشهد لي أيضاً . ونظيرها في آخر سورة الرعد وهي قوله تعالى {قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} . يعني ومن عنده علم الكتاب فهو يشهد لي أيضاً ، ويريد به المهدي وكذلك قوله تعالى (وَمَن بَلَغَ) يريد به المهدي وذلك من قوله تعالى في سورة الأحقاف {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ..الخ} ، وهذه الآية في وصف المهدي وهي في سورة الأحقاف .
(أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى) هذا سؤال على وجه الإنكار والتوبيخ وتقديره كيف تشهدون أنّ مع الله آلهةً أخرى بعد وضوح الأدلّة وقيام الحجّة على وحدانيّته (قُل لاَّ أَشْهَدُ) كما تشهدون (قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) به .
وجاء في كتاب مجمع البيان في المجلّد الرابع صفحة 282 قال : "وفي تفسير العياشي قال أبو جعفر وأبو عبد الله (ع) : " (مَن بَلَغَ ) معناه من بلغ أن يكون إماماً (يعني المهدي) فهو ينذر بالقرآن كما أنذر به رسول الله . وعلى هذا يكون قوله (وَمَن بَلَغَ) في موضع رفع عطفاً على الضمير في (أُنذِرَ .")

23 - (ثُمَّ لَمْ تَكُن) نتيجة (فِتْنَتُهُمْ) بالأصنام ، أي افتتانهم بِها (إِلاَّ أَن قَالُواْ) بعد موتهم (وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) وهذا على اعتقادهم بأنّهم لم يجعلوها آلهة بل عبدوها لتشفع لهم عند الله ، وذلك من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله .

24 - (انظُرْ) يا محمّد إلى هؤلاء المشركين (كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ) بقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، (وَضَلَّ عَنْهُم) أي غاب عنهم وضاع منهم (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) به على الناس من أمر الشفاعة .

27 - (وَلَوْ تَرَىَ) يا محمّد (إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ) أي عند النار ، يعني قريياً منها للسؤال (فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ) إلى الدنيا (وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بِها ، أي من المصدّقين ، فردّ الله عليهم أمانيّهم وكذّبهم فقال :

28 - (بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ) أي ظهرت لهم مخازيهم وانكشفت للناس أسرارهم وأعمالهم السيّئة فالمنافق لا يترك عاداته مهما أضمر الإحسان في قلبه لأنّ عاداته تتغلّب عليه . ثمّ أخبر سبحانه عنهم بأنّهم إذا رجعوا إلى الدنيا كما تمنّوا يعودون إلى أعمالهم المخزية وإلى إشراكهم لأنّ الأرواح إذا دخلت في الأجسام تنسى ما كانت عليه في العالم الأثيري وإذا ذكرت شيئاً من ذلك تظنّه رؤيا وليس حقيقياً ولذلك يعودون إلى ما تعوّدوه ، ثمّ إنّ الشيطان يلاحقهم ويغويهم فلذلك قال تعالى (وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) فيما يتمنّونه .

33 - (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ) قولهم (الَّذِي يَقُولُونَ) إنّه مجنون وساحر وشاعر (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ) في قلوبهم لأنّهم يعرفونك صادقاً (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ) منهم ، أي رؤساءهم (بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) تكبّراً منهم وعناداً . روي أنّه التقى أخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال له :"يا أبا الحكم أخبرني عن محمّد أصادق هو أم كاذب فإنّه ليس هاهنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ؟" فقال أبو جهل : "ويحك والله إنّ محمّداً لصادق وما كذب قطّ ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش ؟"

35 - لَمّا جاء النبيّ إلى قريش ودعاهم إلى الإسلام قالوا : "ائتنا بمعجزة فنؤمن بك ونصدّقك ." فسأل النبيّ من الله أن يعطيه معجزة فنزل قوله تعالى في سورة العنكبوت {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} ، فعاد النبيّ يدعو قومه للإسلام ، فقالوا نريد معجزة ، فقال هذا القرآن معجزة ، فقالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا ، فنزل قوله تعالى في سورة الطور {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ } . فقالوا نريد معجزة كما جاء بِها موسى وعيسى وغيرهم من المعاجز المادّية . فسأل الله أن يعطيه معجزة فنزل قوله تعالى في سورة النحل {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} ومعناه لقد أعطيناك معجزة علمية وهي القرآن فادعُ قومك بِها ، أمّا المعجزة المادّية كالعصا والناقة وغيرها لا فائدة فيها لأنّنا لو أعطيناك معجزة مادّية كما اقترحوا عليك ورأوها بأعينهم لقالوا هذا سحر مبين ، فحينئذٍ وجب علينا إهلاكهم ونحن لا نريد إهلاكهم .

ثمّ عاد النبيّ يدعو قومه إلى الإسلام فكرّروا عليه القول وطلبوا منه المعجزة ، فقال ربِّ إنّ قومي يريدون معجزة مادّية فنزلت هذه الآية :
(وَإِن كَانَ كَبُرَ) أي عظم واشتدّ (عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) وانصرافهم عن الإيمان (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ) أي قدرت وتمكّنت (أَن تَبْتَغِيَ) أي تطلب وتتّخذ (نَفَقًا فِي الأَرْضِ) أي نقباً ومنفذاً في جوف الأرض فانزل إليه وأخرِجْ لهم معجزة إن أمكنك ذلك (أَوْ) اتّخذْ لك (سُلَّمًا) أي مصعداً (فِي السَّمَاء) فاصعدْ فيه إلى السماء وائتهم بمعجزة إن كان ذلك باستطاعتك وإرادة قومك ، وذلك قوله تعالى (فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ) أي بمعجزة ، ولكنّ الأمر بأيدينا فإنّنا لا نرى فائدة في المعاجز المادّية والأحسن منها أدعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ولكنّ الله يهدي من يشاء ، أي يهدي من يستحقّ الهداية (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) بتكرارك طلب المعجزة .

-----------------------------------

62 :قال المفسّرون وفي الآية دلالة على أنّ الله تعالى يجوز أن يسمّى شيء . أقول : لا يجوز ذلك لأنّ لفظة شيء معناها المادّة ، وإنّ الله تعالى يجلّ عن المادّة ، فقد قال تعالى في سورة الشورى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } .

الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم