كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 157) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

157 - (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ) محمّداً (الأُمِّيَّ) وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ) يعني مكتوبة أوصافه وعلائمه (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) من اللحوم (وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) منها (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) أي عهودهم ومواثيقهم التي أخذها عليهم أنبياؤهم السالفة بأن يؤمنوا بالنبيّ محمّد إذا جاءهم وينصروه ويعزّروه .

والعهود التي أخذها عليهم أنبياؤهم قد جاء ذكرها في سورة آل عمران وهي قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ} إلى قوله {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} يعني وأخذتم على قومكم عهدي بأن يؤمنوا بمحمّد وينصروه . وإنّما قال تعالى {إِصْرِي} ولم يقل عهدي ، يريد بذلك تأكيد العهد الذي لا استثناء فيه ، فكلمة {إِصْرِي} مأخوذة من الإصرار بالشيء والتأكيد عليه بحيث لا يُستثنى عنه ، يقال أصرّ الرجل على طلاق زوجته ، أي صمّم على طلاقها لا يستثني عن ذلك .
فالذين آمنوا بمحمّد من أهل الكتاب ونصروه فقد وفَوا بالعهد فسقط عنهم حكمه وزال عنهم عذابه والمؤاخذة به كما يؤاخَذ الذين لم يوفوا به ، فهذا معنى قوله تعالى (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) يعني سقط حكم العهد عنهم لأنّهم وفَوا بعهودهم ، وقوله (وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) يعني ويزيل عنهم الأحكام الثقيلة التي كانت عليهم سابقاً وذلك كالصوم عندهم ثلاثاً وعشرين ساعةً في اليوم وتحريم بعض اللحوم والشحوم واعتزال المرأة الحائض أربعة عشر يوماً وقرض الثياب الملطّخة بالدم وغير ذلك من قيود في الأحكام ، فالذين اتّبعوا هذا النبيّ زالت عنهم تلك القيود لأنّ شريعته سمحاء لا يكلّف الإنسان أكثر من طاقته (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ) أي بهذا النبيّ (وَعَزَّرُوهُ) أي عظّموه ووقّروه (وَنَصَرُوهُ) على أعدائه (وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ) يعني القرآن (مَعَهُ) يعني يتّبعون القرآن مع اتّباعهم لمحمّد ، ولا يجوز أن يتّبعوا القرآن ولا يتّبعوا محمّداً بل يجب اتّباع الإثنين محمّداً والقرآن (أُوْلَـئِكَ) الذين اتّبعوا محمّداً والقرآن (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي الفائزون بالجنّة ونعيمها .
وإليك بعض ما ذُكِر في التوراة والإنجيل من صفات النبيّ وعلائمه ، فقد جاء في التوراة في الاصحاح الثامن عشر من التثنية قال الله تعالى : [ أقيم لهم نبياً من بين إخوتهم مثلك (أي مثل موسى) وألقي كلامي في فيه فيخاطبهم بجميع ما آمره به ، وأيّ إنسان لم يطع كلامي الذي يتكلّم به باسمي فإنّي أحاسبه عليه ] .
وجاء أيضاً في الاصحاح السابع عشر من سفر التكوين [ وأمّا ابن الأمَة فقد باركت عليه جداً جداً وسيلد اثني عشر عظيماً وأؤخّره لأمّةٍ عظيمة ] . فابن الأمة هو إسماعيل ، أمّا الثاني عشر من هؤلاء العظماء فهو محمّد ، والأمّة العظيمة يريد بِها المسلمين .
وأمّا في الإنجيل فقد جاء في النشيد الملائكي في الاصحاح الثاني من إنجيل لوقا (الحمد لله في الأعالي ، وعلى الأرض سلام ، وللناس أحمد) فغيّروا معناها بالتفسير من اللغة السريانية إلى اليونانية ثمّ إلى العربية فكتبوا [الحمد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وللناس المسرّة ] . راجع كتاب (الإنجيل والصليب) صفحة 38 لمؤلّفه القسّ عبد الأحد داوود . أقول أيّ سلام كان على الأرض وأيّة مسرّة حدثت فيها أفي الحرب العالمية الأولى كان السلام أم في الثانية أم في القنابل الذرّية أوالهيدروجينية ، وأيّة مسرّة كانت لهم بذلك ؟

163 - (واَسْأَلْهُمْ) أي واسأل اليهود يا محمّد سؤال توبيخ (عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) أي على شاطئ البحر وهي قرية إيلة [إيلات ] (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) أي يسرعون في صيد الأسماك يوم السبت وكان محرّماً عليهم الصيد فيه (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً) أي طافية فوق الماء كشراع السفن (وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ) وذلك لنختبرهم هل يصيدون السمك أم يمتثلون أوامر ربّهم (كَذَلِكَ نَبْلُوهُم) أي نختبرهم بهذا (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) .

164 - ولَمّا صادوا السمك افترقوا ثلاث فرق ، فرقة صادوا وفرقة نهَوهم عن ذلك وفرقة سكتوا ولم يصيدوا (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ) أي فرقة منهم ، وهم الذين سكتوا ولم يصيدوا قالوا للذين نهَوا عن الصيد (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ) يعنون من صاد السمك (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) أي مهلكهم بالطاعون أو معذّبهم في الآخرة إن لم يهلكوا بالطاعون (قَالُواْ) أي قالت الفرقة الناهية (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) يعني نهَيناهم عن ذلك ليكون لنا عذرٌ عند ربّكم إذا سألنا عن ذلك يوم القيامة فنقول نهَيناهم فلم ينتهوا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعني ولعلّ الصيّادين يتّقون عقاب الله فينتهون عن صيد السمك يوم السبت إذا نهَيناهم

165 - (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ) يعني فلَمّا استمرّوا على ذلك حتّى نسوا ما ذُكِّروا به من النهي عن الصيد في أيّام السبت ، سلّطنا عليهم أعداءهم فقهروهم وقتلوهم وأسروهم و (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ) أنفسهم ، يعني الذين صادوا (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) أي شديد بأيدي أعدائهم (بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) بين قومهم .

166 - (فَلَمَّا عَتَوْاْ) أي فلمّا ازدادوا في عصيانهم (عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ) من الصيد والبيع والشراء في أيام السبت (قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) أي مطرودين حقيرين كالقردة . وهذه كناية عن إذلالهم وتحقيرهم وليس معناه مُسِخوا قردة . فكلّ جملة تأتي في القرآن بهذه العبارة هي كناية عن إذلالهم ، وهي (كُونُواْ) ونظيرها قوله تعالى في سورة البقرة {فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} فكلمة {مُوتُواْ} كناية عن ذلّهم ، {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} يعني أعزّهم . وقد سبق تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة وهي قوله تعالى {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم