كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 164) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

164 - ولَمّا صادوا السمك افترقوا ثلاث فرق ، فرقة صادوا وفرقة نهَوهم عن ذلك وفرقة سكتوا ولم يصيدوا (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ) أي فرقة منهم ، وهم الذين سكتوا ولم يصيدوا قالوا للذين نهَوا عن الصيد (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ) يعنون من صاد السمك (أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) أي مهلكهم بالطاعون أو معذّبهم في الآخرة إن لم يهلكوا بالطاعون (قَالُواْ) أي قالت الفرقة الناهية (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) يعني نهَيناهم عن ذلك ليكون لنا عذرٌ عند ربّكم إذا سألنا عن ذلك يوم القيامة فنقول نهَيناهم فلم ينتهوا (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يعني ولعلّ الصيّادين يتّقون عقاب الله فينتهون عن صيد السمك يوم السبت إذا نهَيناهم

165 - (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ) يعني فلَمّا استمرّوا على ذلك حتّى نسوا ما ذُكِّروا به من النهي عن الصيد في أيّام السبت ، سلّطنا عليهم أعداءهم فقهروهم وقتلوهم وأسروهم و (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ) أنفسهم ، يعني الذين صادوا (بِعَذَابٍ بَئِيسٍ) أي شديد بأيدي أعدائهم (بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) بين قومهم .

166 - (فَلَمَّا عَتَوْاْ) أي فلمّا ازدادوا في عصيانهم (عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ) من الصيد والبيع والشراء في أيام السبت (قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) أي مطرودين حقيرين كالقردة . وهذه كناية عن إذلالهم وتحقيرهم وليس معناه مُسِخوا قردة . فكلّ جملة تأتي في القرآن بهذه العبارة هي كناية عن إذلالهم ، وهي (كُونُواْ) ونظيرها قوله تعالى في سورة البقرة {فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} فكلمة {مُوتُواْ} كناية عن ذلّهم ، {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} يعني أعزّهم . وقد سبق تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة وهي قوله تعالى {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .

167 - (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) يعني وإذ استأذن أعداؤهم من ربّك في قتالهم فأذن لهم ، كان القدماء يتفاءلون بالسهام فيكتبون على رقعة "إفعل" ويكتبون على الأخرى "لا تفعل" ثمّ يرمونها بسهم فإذا وقع السهم على الأولى يقولون أذن لنا ربّنا في ذلك ، وإذا وقع السهم على الثانية قالوا لم يأذن لنا في ذلك . فأخذ نبوخذنصّر سهماً واستأذن الله في قتال بني إسرائيل ورمى السهم فوقع على الأولى التي مكتوب فيها " إفعل" ، فسار بجيشه وحاربهم وانتصر عليهم . وهذا معنى قوله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ) أي سألوه الإذن في قتالهم فأذن لهم . ثمّ أقسم الله تعالى (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) أي من يعاملهم بأسوأ العذاب (إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ) لِمن يريد عقابه فيعاقبه في الدنيا قبل الآخرة (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ) للتائبين من الموحّدين (رَّحِيمٌ) بالمؤمنين .

168 - (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ) أي فرّقناهم ليكونوا ذليلين (أُمَمًا) مختلفة في اللغات منهم فرس وعرب وترك وأكراد وغير ذلك (مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ) في أعمالهم (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ) أي غير صالحين (وَبَلَوْنَاهُمْ) أي اختبرناهم (بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي بالخير والشرّ (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) عن غيّهم وكفرهم .

169 - (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) يعني فذهب الآباء وقام الأبناء مقامهم (وَرِثُواْ الْكِتَابَ) عن آبائهم وأجدادهم ، والكتاب يريد به التوراة ، والمقصود بذلك علماء اليهود (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى) أي يأخذون المال رشوة في حكمهم للناس فيحكمون باطلاً لأجل المال الذي هو عرض زائل في هذه الدنيا ، يقال في المثل :"الدنيا عرض حاضر يأكل منه البرّ والفاجر" ، (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) يعني يأخذون الرشوة ويحكمون باطلاً ثمّ يقولون سيغفر الله لنا هذه المرّة ولا نعود نأخذ الرشوة من أحد ، ولكنّهم يكذبون على أنفسهم (وَإِن يَأْتِهِمْ) في الغد (عَرَضٌ مُّثْلُهُ) أي مثل الذي جاءهم بالأمس من المال (يَأْخُذُوهُ) ولا يخشَون عقاب الله (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ) يعني ألم تأخذ أنبياؤهم منهم العهود وتشدّد عليهم المواثيق بأن يتّقوا الله في جميع أوامره ويحكموا بين الناس بالحقّ وتلك العهود والمواثيق مكتوبة عندهم في التوراة وهم يقرأونها على الدوام ، ألم نأخذ عليهم الميثاق (أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ) في الحكم بين الخصمين ، فلماذا يحكمون باطلاً وهم قد قرأوا الكتاب (وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ) من أحكام وقوانين شرعية ، وقليل منهم يتّقون عقاب الله ولا يأخذون الرشوة (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ) ولا يأخذون الرشوة (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) يا أحبار اليهود وتتركون الرشوة وتحكمون بالعدل . 70

170 - (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ) يعني يتمسّكون بالتوراة وأحكامها فلا يحكمون باطلاً (وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ) وآتَوا الزكاة وأصلحوا بين المتخاصمين (إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) بل نجزيهم على إصلاحهم خير الجزاء .

172 - (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ) العهود والمواثيق (مِن بَنِي آدَمَ) الماضين (مِن ظُهُورِهِمْ) أي من ظهرانيهم يعني من أسلاف اليهود الذين سبق ذكرهم ، واليهود الموجودون هم (ذُرِّيَّتَهُمْ) أي هم من ذرّية الظهور الماضين (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ) فقال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ) أي قالت اليهود (بَلَى) أنت ربّنا ، قال الله تعالى أتشهدون أنّي واحد لا شريك لي ؟ قالوا (شَهِدْنَا) قال الله تعالى (أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) يعني أن لا تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا غافلين عن التوحيد فلم نعلم أن لا شريك لك ولم يفهمنا أحد فإنّا أفهمناكم وعلّمناكم وأشهدناكم على أنفسكم .

-----------------------------------

70 :تكرّر التحذير من أخذ الرشوة نظراً لأهمّيتها وتأكيد سماحة المفسّر لذلك له دلالة كبرى على خطرها ، كيف لا وفيها قال (فخرالعروبة) : "الراشي والمرتشي والرائش في النار ." - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم