كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 176) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

176 - (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) يعني لو نشاء لرفعناه أي بلعام إلى السماء بعد موته ، يعني إلى الجنان بسبب تقواه وعبادته (وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ) أي رَكَن (إِلَى الأَرْضِ) يعني اختار البقاء في الأرض على الصعود إلى السماء واختار المال الفاني على النعيم الباقي بمعصيته هذه (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) يعني واتّبع هوى نفسه فسوّلت له نفسه أن يدعوَ على بني أسرائيل بالهلاك ، مع أنّهم لم يؤذوه ولم يحملوا عليه بكلام رديء فكذلك أنتم أخذتم في إيذاء محمّد وعاديتموه مع أنّه لم يؤذكم بل صدّق كتابكم وأيّد دينكم (فَمَثَلُهُ) أي فمثل بلعام في ذلك (كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) أي ينبح (أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) مثل (ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا) فهم يؤذونك ويسبّونك ويستهزؤون بك وإن كنت لا تتعرّض لهم بأذى وبذلك يهلكون أنفسهم حيث يرمونها في جهنّم (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) في أمر بلعام ولا يكونوا مثله .

وإليك القصّة من التوراة نذكرها باختصار ، فقد جاء في سفر العدد في الاصحاح الثاني والعشرين : لَمّا سار بنو إسرائيل قاصدي الأردن قام بالاق بن صفور ملك موآب وجمع الشيوخ والرؤساء وقال لهم لقد قدم بنو إسرائيل إلى ديارنا وإنّهم لا يبقون لنا طعاماً ولا شراباً لكثرتهم فنموت جوعاً فاذهبوا إلى بلعام وكلّموه وائتوا به فليدعُ على بني إسرائيل ويلعنهم كي ننتصر عليهم ويرجعوا عن بلادنا ، وبعث معهم هدايا له ، فساروا إلى بلعام وكلّموه بذلك وقدّموا له الهدايا فقال لهم باتوا عندي الليلة حتّى أنظر في أمري ، فأوحى الله تعالى إليه في المنام أن لا تفعل ذلك ولا تدعُ على بني إسرائيل ، ولَمّا أصبح الصباح قال لهم لا أذهب معكم لأنّ الله نهاني عن ذلك ، فأخذوا يتوسّلون به ويتضرّعون إليه وقالوا له إمضِ معنا إلى الملك وهناك إن شئت أن تدعوَ وإن شئت ترك الدعاء فالأمر لك .
فذهب معهم على بغلته وفي منتصف الطريق وقفت بغلته عن السير فضربها فلم تسِر وزجرها فلم تزدد إلاّ رسوخاً في الأرض فنزل عنها وأخذ يضربها ضرباً موجِعاً فنطقت بقدرة الله تعالى وقالت إنّ أمامي ملاكاً ينهاني عن السير وأنت تأمرني بذلك ، فتركها وسار معهم حتّى وصلوا إلى الملك بالاق فاستقبله الملك وأكرمه وطلب منه أن يدعوَ على بني إسرائيل ، فقال لا أفعل ذلك لأنّ الله نهاني في المنام عن ذلك ، فقال الملك لعلّها رؤيا كاذبة وأخذ يتوسّل إليه ويقدّم له الأموال والهدايا حتّى أغراه ، فصعدوا فوق الجبل وقدّموا قرابين لله وأخذ بلعام يدعو ، فنطق بالدعاء وباللعن على قوم الملك لأنّه لم يمتلك أمر لسانه ، فصاح الملك وضرب بيديه وقال ماذا تعمل وماذا تفعل ؟ لقد دعوت علينا ولعنتنا ، فقال بلعام : ألم أقل لك أنا لا أقدر أن أعمل شيئاً بإرادتي فإنّ الله تعالى أخذ السلطة منّي على لساني فصار ينطق بغير إرادتي ، فقال الملك وماذا نعمل الآن ؟ فقال بلعام لنذهب إلى الجبل الثاني ونقدّم قرابين لله وأدعو مرّة ثانية ، ففعل ولكنّه لم ينجح أيضاً بل أخذ لسانه يلعن قوم الملك ويدعو عليهم ، ويمدح بني إسرائيل ويباركهم فصاح الملك ومزّق ثيابه ولطم وجهه وقال ماذا صنعت لقد أهلكتنا ولعنتنا . فقال بلعام لنذهب إلى جبل ثالث ، فذهبوا ودعا على قوم الملك أيضاً .
فلمّا رأى بلعام أنّ خطّته هذه لم تنجح فكّر في خطّة أخرى وقال للملك بالاق : إجمعوا كلّ امرأة حسناء منكم وليأخذن معهنّ أطباقاً من الفواكه ويذهبن إلى بني إسرائيل ويبعن عليهم الفواكه فإذا أراد أحدهم أن يجامع إحداهنّ فلا تمتنع عن ذلك فإذا زنى أحدهم فإنّ الله تعالى سينزل عليهم الطاعون فيهلكهم . ففعلوا ذلك ونجحت خطّتهم ، وهذا معنى قوله تعالى (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) يعني بعد ما كان تقياً ينهى عن الفحشاء أصبح عاصياً غاوياً يأمر بالفحشاء .

187 - إجتمع نفر من اليهود وقالوا لنذهب إلى محمّد ونسأله عن القيامة فإن أجابنا عنها وحدَد لها وقتاً فإنّه كاذب وليس بنبيّ لأنّ الله لم يخبر بِها أحداً من الأنبياء ولم يحدّد وقتها في كتاب ، أمّا إذا لم يُجِبنا عنها وقال لا علم لي بوقت حدوثها فإنّه نبيّ صادق ، ثمّ دخلوا على النبيّ وسألوه ، فنزلت هذه الآية :

(يَسْأَلُونَكَ) يا محمّد (عَنِ السَّاعَةِ) أي عن الساعة التي تقوم فيها القيامة (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يعني في أيّ وقت يكون حدوثها ، وكان سؤالهم مبهماً في علم الله تعالى فهل أرادوا بذلك الساعة التي يموتون فيها أم الساعة التي يبعثون فيها أم ساعة ابتداء تلك الحوادث التي تقوم بسببها القيامة ، فأخبر سبحانه عن ابتداء حدوثها للأرض التي نحن عليها وهو قوله تعالى (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يعني أيّ وقت تقف الأرض عن دورتها المحورية وتستقرّ عن حركتها الدائمية ، فالأرساء معناه الوقوف والسكون والثبات ، يقال رست السفينة على الشاطئ أي وقفت وسكنت ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النازعات {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أي أثبتها على الأرض .
(قُلْ) يا محمّد في جوابهم (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي) ولا علم لي بذلك (لاَ يُجَلِّيهَا) أي لا يكشف حقيقتها وينجلي غطاؤها (لِوَقْتِهَا) يعني فيكشف عن وقتها متى يكون ومتى تقوم (إِلاَّ هُوَ) فإنّ الله تعالى يجلّي أمرها للناس في ذلك الزمان ويبيّن أسرارها ويعدّد لهم علائمها على لسان المهدي المنتظر (ثَقُلَتْ) أي ثقل أمرها على الناس وعظم شأنها لأنّ الله تعالى يتوعّدهم بِها ويخوّفهم بقيامها فمنهم مكذّب بها ومنهم خائف منها والكلّ لا يعلمون حقيقتها لأنّ الله تعالى أخفاها ليختبرهم ويرى أعمالهم لكي يجازيهم عليها بما يستحقّونه ، فقد قال الله تعالى مخاطباً موسى في سورة طه : {إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} . وقوله (فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي ثقل أمرها على أهل الكواكب السيّارة وأهل الأرض (لاَ تَأْتِيكُمْ) علائمها (إِلاَّ بَغْتَةً) يعني إلاّ فجأةً .
فحينئذٍ أخذ اليهود ينظر بعضهم إلى بعض نظر استجواب فقال بعضهم لقد استقصى أمرها وتتبّع أثرها في الكتب السماوية فعرف ذلك فقالوا كأنّك حفِيٌّ عنها يا محمّد ، فنزلت :
(يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي كأنّك استقصيت أمرها وتتبّعت أثرها حتّى عرفت ذلك ، وذلك من قولهم "حفّ الرجل شاربه" إذا أزال الشعر من أسفله ، وحفّت المرأة وجهها ، أي تتبّعت آثار الشعر فاقتلعته (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ) وهو الذي أخبرني بذلك ولست مِمّن درس الكتب ولا مِمّن تتبّع الآثار (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) يجهلون الحقّ و (لاَ يَعْلَمُونَ) الحقيقة .
وقد بيّنت في كتابي الكون والقرآن عن الساعة وعن حدوثها وفصّلت علائمها وما يجري فيها من حوادث فراجعه إن شئت زيادة إيضاح .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم