كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 187) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

187 - إجتمع نفر من اليهود وقالوا لنذهب إلى محمّد ونسأله عن القيامة فإن أجابنا عنها وحدَد لها وقتاً فإنّه كاذب وليس بنبيّ لأنّ الله لم يخبر بِها أحداً من الأنبياء ولم يحدّد وقتها في كتاب ، أمّا إذا لم يُجِبنا عنها وقال لا علم لي بوقت حدوثها فإنّه نبيّ صادق ، ثمّ دخلوا على النبيّ وسألوه ، فنزلت هذه الآية :

(يَسْأَلُونَكَ) يا محمّد (عَنِ السَّاعَةِ) أي عن الساعة التي تقوم فيها القيامة (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يعني في أيّ وقت يكون حدوثها ، وكان سؤالهم مبهماً في علم الله تعالى فهل أرادوا بذلك الساعة التي يموتون فيها أم الساعة التي يبعثون فيها أم ساعة ابتداء تلك الحوادث التي تقوم بسببها القيامة ، فأخبر سبحانه عن ابتداء حدوثها للأرض التي نحن عليها وهو قوله تعالى (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) يعني أيّ وقت تقف الأرض عن دورتها المحورية وتستقرّ عن حركتها الدائمية ، فالأرساء معناه الوقوف والسكون والثبات ، يقال رست السفينة على الشاطئ أي وقفت وسكنت ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة النازعات {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أي أثبتها على الأرض .
(قُلْ) يا محمّد في جوابهم (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي) ولا علم لي بذلك (لاَ يُجَلِّيهَا) أي لا يكشف حقيقتها وينجلي غطاؤها (لِوَقْتِهَا) يعني فيكشف عن وقتها متى يكون ومتى تقوم (إِلاَّ هُوَ) فإنّ الله تعالى يجلّي أمرها للناس في ذلك الزمان ويبيّن أسرارها ويعدّد لهم علائمها على لسان المهدي المنتظر (ثَقُلَتْ) أي ثقل أمرها على الناس وعظم شأنها لأنّ الله تعالى يتوعّدهم بِها ويخوّفهم بقيامها فمنهم مكذّب بها ومنهم خائف منها والكلّ لا يعلمون حقيقتها لأنّ الله تعالى أخفاها ليختبرهم ويرى أعمالهم لكي يجازيهم عليها بما يستحقّونه ، فقد قال الله تعالى مخاطباً موسى في سورة طه : {إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} . وقوله (فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي ثقل أمرها على أهل الكواكب السيّارة وأهل الأرض (لاَ تَأْتِيكُمْ) علائمها (إِلاَّ بَغْتَةً) يعني إلاّ فجأةً .
فحينئذٍ أخذ اليهود ينظر بعضهم إلى بعض نظر استجواب فقال بعضهم لقد استقصى أمرها وتتبّع أثرها في الكتب السماوية فعرف ذلك فقالوا كأنّك حفِيٌّ عنها يا محمّد ، فنزلت :
(يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي كأنّك استقصيت أمرها وتتبّعت أثرها حتّى عرفت ذلك ، وذلك من قولهم "حفّ الرجل شاربه" إذا أزال الشعر من أسفله ، وحفّت المرأة وجهها ، أي تتبّعت آثار الشعر فاقتلعته (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللّهِ) وهو الذي أخبرني بذلك ولست مِمّن درس الكتب ولا مِمّن تتبّع الآثار (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) يجهلون الحقّ و (لاَ يَعْلَمُونَ) الحقيقة .
وقد بيّنت في كتابي الكون والقرآن عن الساعة وعن حدوثها وفصّلت علائمها وما يجري فيها من حوادث فراجعه إن شئت زيادة إيضاح .

189 - (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) إنّه يرجع إلى النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحوّاء . والمعنى : خلق كلّ واحدٍ منكم من نفس واحدة ولكلّ نفس زوج هو منها أي من جنسها ، كما قال سبحانه في سورة الروم {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} ، (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا) أي فلمّا وطأ كلّ إنسان زوجته ، ثمّ خصّ بالذكر أحد رؤساء قريش طلب من الله الولد فلمّا أعطاه الولد سمّاه عبد العزّى وأشرك في تسميته بأن جعله عبداً للصنم ، وذلك قوله تعالى (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا) من الخفّة بمعنى تقوم وتقعد وتجيء وتذهب (فَمَرَّتْ بِهِ) أي استمرّت بالحمل على الخفة بضعة أشهر ، (فَلَمَّا أَثْقَلَت) بالحمل واقترب وضع الحمل (دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا) فقالا (لَئِنْ آتَيْتَنَا) ولداً (صَالِحاً) أي معافَى ليس به عاهة (لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لك .

190 - (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً) أي ولداً صالحاً معافَى (جَعَلاَ لَهُ) أي لله (شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) أي في الولد الذي أعطاهما فبدلاً من تسميته عبد الله أسمياه عبد العزّى ، والعزّى صنم من الأصنام فقلّده قومه في ذلك فصاروا يسمّون أولادهم عبد اللات وعبد العزّى وعبد مناة (فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) قريش من قيامهم بهذا التقليد السيّء .

191 - ثمّ قال تعالى (أَيُشْرِكُونَ) معه (مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً) من المادّة ، والمعنى أيشركون معه الأرواح التي لم تخلق شيئاً من المخلوقات الموجودة على الأرض بل كلّ ما في الوجود هو من مخلوقات الله وصنعه (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) يعني وهم مخلوقون ، والمعنى أيشركون معه ملوكهم ورؤساءهم الأموات فصنعوا لهم تماثيل وعبدوها من دون الله . وإنّما قال تعالى (وَهُمْ يُخْلَقُونَ) على صيغة المضارع يعني رؤساؤهم الأموات يُخلَقون يوم القيامة لأنّ الله تعالى يخلق لهم جلوداً أثيرية ويلقيهم في النار ، وذلك قوله تعالى في سورة النساء {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} .

192 - (وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ) يعني ملوكهم الأموات لا يستطيعون للمشركين (نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ) فينجون من العذاب .

201 - (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ) أي أصابهم (طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ) أي قسم من إغواء الشيطان ، فالطائف مذكّر والطائفة مؤنّث (تَذَكَّرُواْ) وعيد الله وعقابه فتركوا المعصية وندموا على ذلك (فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) للرشد .

202 - (وَإِخْوَانُهُمْ) يعني إخوان الشياطين في الكفر والتكبّر ويريد بهم المشركين (يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ) يعني الشياطين يزيدون في إغواء الكافرين (ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) في الزيادة من الإغواء .

203 - (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم) يا محمّد (بِآيَةٍ) أي بمعجزة كما اقترحوا عليك (قَالُواْ) أي قال الكافرون (لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا) من الله ، يعني قالوا لك لولا طلبتها من الله واخترتها فيعطيك إن كنت نبيّاً (قُلْ) يا محمّد لهم (إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي) وليس لي الاختيار في ذلك (هَـذَا) القرآن معجزتي فهو معجزة علمية وهو (بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ) لمن أراد أن يبصر الحقّ (وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) بربّهم وبرسله .

-----------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر القرآنية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم