كتاب المتشابه من القرآن


كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الأعراف من الآية( 52) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

52 - فحينئذٍ يسأل أهل الجنّة الذين هم في المحشر يسألون الأنبياء عن أهل النار الذين هم في المحشر فيقولون هل أرشدتموهم وعلّمتموهم وذكّرتموهم بهذا اليوم كما أرشدتمونا كي يؤمنوا كما آمنّا . فيقولون بلى أرشدناهم وذكّرناهم (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ) أيضاً من عند الله (فَصَّلْنَاهُ) لهم ، أي قرأناه لهم ، وبيّنا لهم أحكامه على التفصيل وكان نهجه (عَلَى عِلْمٍ) من الله وليس نهجه موضوعاً على جهل فهو (هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ولكنّهم كذّبوا واستكبروا واغترّوا بكثرة أموالهم وعددهم .

53 - ثمّ استنكر الله تعالى امتناع المشركين عن الإيمان بكتابه المجيد مع كثرة الأدلّة والبراهين على وحدانيّته فقال (هَلْ يَنظُرُونَ) أي هل ينتظرون (إِلاَّ) أن يأتيهم (تَأْوِيلَهُ) أي تأويل وتفسير الآيات المتشابهة التي لم يحيطوا بِها علماً والتي كذّبوا بِها ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة يونس {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ} . يعني كذّبوا بآيات القرآن التي لم يحيطوا علماً بمعناها ولم يفهموا مغزاها فكذّبوا واستهزؤوا بِها . وذلك قولهم : كيف ينبت في جهنّم شجر والنار تأكل الأخضر واليابس ؟ وقولهم : كيف يكون الأكل بالبطن دون الفم ؟ إلى غير ذلك من التكذيب والاستهزاء بالقرآن .

ثمّ بيّن سبحانه بأنّ الآيات المتشابهة لا يأتي تأويلها إلاّ بعد حين من الزمن ، وذلك قوله تعالى في سورة ص {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} وإنّكم أيّها الكافرون به لا تعيشون إلى ذلك اليوم لكي تؤمنوا به حين تفهمون تأويله بل ستموتون عن قريب وتنتقلون إلى العالم الأثيري وحينذاك لا ينفعكم الإيمان إذا آمنتم فما يمنعكم من الإيمان به اليوم ما دمتم أحياء في دار الدنيا وما دامت لكم فرصة للإيمان ؟
ثمّ بيّن سبحانه بأنّهم إذا سمعوا تأويل الآيات المتشابهة عندما يأتي بِها المهدي يندمون على ما فرط منهم ويتمنّون لو يجدون شفيعاً يشفع لهم عند الله أو يعودون إلى دارالدنيا فيصدّقوا بالقرآن ويعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئاً ولكن لا فائدة لأمانيّهم حيث فاتتهم الفرصة فقال (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي تأويل القرآن وتفسيره (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ) أي الذين كذّبوا به وتركوه حتّى نسوه (قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ) ولكن كذّبناهم وسخرنا منهم والآن عرفنا أنّهم على حقّ (فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا) عند الله (أَوْ نُرَدُّ) إلى الدنيا (فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) يكون هذا القول منهم وهم نفوس أثيرية (قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ) لأنّهم أوقعوها في العذاب (وَضَلَّ عَنْهُم) أي ضاع وذهب عنهم (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) أي ما كانوا يكذبون به على الله من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله .

100 - (أَوَلَمْ يَهْدِ) القرآن ، يعني أولم نبيّن في القرآن من الأدلّة والبراهين ما يكفي لهداية قومك يا محمّد فلماذا لا يؤمنون وقد فصّلناه لهم (لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ) في المستقبل 69 وهم قومك يا محمّد (مِن بَعْدِ أَهْلِهَا) أي من بعد زوال أهلها عن الحكم ، لماذا يستعجلونك بالعذاب (أَن) قالوا اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطِر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم (لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم) بالعذاب كما سألوا (بِذُنُوبِهِمْ) أي بسبب ذنوبهم (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) ولكن لا نشاء إصابتهم بالعذاب بل نريد هدايتهم كي يرثوا الأرض من بعد أهلها .

101 - (تِلْكَ الْقُرَى) التي أهلكناها (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا) وهم الذين سبق ذكرهم (وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ) أي بالمعجزات وهم قوم شعيب وقوم لوط وصالح وهود ونوح (فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ) يعني بِما كذّب به أسلافهم (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) للنعم ، يعني الناكرين لنعم الله .

102 - (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ) يوفون به ، يعني أكثرهم خانوا العهد الذي عاهدوا به أنبياءهم بأن لا يشركوا بالله شيئاً وأن يتجنّبوا المعاصي ويعملوا الصالحات ولكنّهم كانوا يخونون العهد بعد موت نبيّهم فيرتدّون عن دينه ويعبدون الأصنام (وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) و"إن" من قوله (وَإِن وَجَدْنَا) للتأكيد وكذلك اللام من قوله (لَفَاسِقِينَ) والمعنى ولكن وجدنا أكثرهم فاسقين .

146 - (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ) أذى فرعون وقومه (الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ) بغير الحقّ ، يعني في أرض مصر ، وآياته هي التوراة والعصا وموسى وهارون ، وذلك لَمّا سار بنو إسرائيل من مصر خافوا من فرعون أن يلحقهم ويضربهم فقالوا {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} أي سيلحق بنا فرعون ويقتلنا ، فطمأنهم الله تعالى وقال (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي سأصرفهم عنكم فلا تخافوهم (وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ) من المعجزات التي جاء بِها موسى وعددها تسع آيات (لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ) أي طريق الحقّ (لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) لدينهم (وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ) أي طريق الكفر والضلال (يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) أي يتّخذوه ديناً ومنهجاً (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) .

آراء المفسّرين
لم يفهم المفسّرون معنى هذه الآية مع بساطتها ووضوح ألفاظها فأخذوا في تفسيرها بعكس ما هي عليه فظنّوا أنّ الله تعالى يريد بذلك صرف الكتابية عن أذهان هؤلاء المتكبّرين لئلاّ يؤمنوا وبذلك يستحقّون العذاب ، ولكن الله تعالى لم يقل : سأصرف آياتي عن الذين يتكبّرون في الأرض ، بل قال تعالى (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ) .
وإليك ما جاء في تفسير الجلالين :" { سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِي } دلائل قدرتي من المصنوعات وغيرها { ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } بأن أخذلهم فلا يتفكرون فيها"
وجاء في تفسير النسفي : "{ سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِي } عن فهمها. قال ذو النون قدس الله روحه: أبى الله أن يكرم قلوب الباطلين بمكنون حكمة القرآن"
وجاء في تفسير الطبرسي المجلّد الرابع صفحة 477 قال : "{ سأصرف عن آياتي الذين يتكبَّرون في الأرض } ذكر في معناه وجوه:
أحدها: إنه أراد سأصرف عن نيل الكرامة المتعلقة بآياتي والاعتزاز بها كما يناله المؤمنون في الدنيا والآخرة المستكبرين في الأرض بغير الحق عن أبي علي الجبائي: والآيات على هذا التأويل يحتمل أن تكون سائر الأدلة ويحتمل أن تكون معجزات الأنبياء وفي قولـه { ذلك بأنهم كذَّبوا بآياتنا } بيان أن صرفهم عن الآيات مستحقّ بتكذيبهم.
وثانيها: أن معناه سأصرفهم عن زيادة المعجزات التي أظهرها على الأنبياء (ع) بعد قيام الحجة بما تقدَّم من المعجزات التي ثبتت بها النبوة لأن هذا الضرب من المعجزات إنما يظهر إذا كان في المعلوم أنه يؤمن عنده من لا يؤمن بما تقدَّم من المعجزات فيكون الصرف بأن لا يظهرها جملة أو بأن يصرفهم عن مشاهدتها ويظهرها بحيث ينتفع بها غيرهم وهذا الوجه اختاره القاضي لأن ما بعده يليق به من قولـه { وإن يروا سبيل الرشد } إلى آخر الآية.
وثالثها: أن معناه سأمنع الكذابين والمتكبّرين آياتي ومعجزاتي وأصرفهم عنها وأخصُّ بها الأنبياء فلا أظهرها إلا عليهم وإذا صرفهم عنها فقد صرفهم عنهم .
ورابعها: أن يكون الصرف معناه المنع من إبطال الآيات والحجج والقدح فيها بما يخرجها عن كونها أدلة وحججاً ويكون تقدير الآية إني أصرف المبطلين والمكذّبين عن القدح في دلالاتي بما أؤيّدها وأحكمها من الحجج والبينات.
وخامسها: أن المراد سأصرف عن إبطال آياتي والمنع من تبليغها هؤلاء المتكبرين بالإهلاك أو المنع من غير إهلاك فلا يقدرون على القدح فيها ولا على قهر مبلغيها ولا على منع المؤمنين من اتباعها والإيمان بها وهو نظير قولـه{ والله يعصمك من الناس }[المائدة: 67] ويكون الآيات في هذا الوجه القرآن وما جرى مجراه من كتب الله التي تحملتها الأنبياء عليهم السلام ."

-----------------------------------

69 :وهذا هو مراد قوله تعالى في سورة الأنبياء { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم