كتاب: المتشابه من القرآن

بقلم: محمدعلي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الآيات القرآنية الغامضة التي عجز المفسرون عن الإتيان بمعانيها منذ 14 قرناً

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يونس من الآية( 60) من كتاب المتشابه من القرآن   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

66 - لَمّا دعا الله المشركين إلى عبادته وإلى التوحيد أبَوا ولم ينقادوا فنزل قوله تعالى (أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات) الأثيرية ، وهم الملائكة (وَمَن فِي الأَرْضِ) كلّها ، أي ومن في الكواكب السيّارة ، فهؤلاء يعبدونه وله يسجدون وهو غنيّ عنكم أيّها المشركون . ولَمّا نهاهم عن عبادة الأوثان والأصنام قالوا : إنّا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون . فقال تعالى عنهم (وَمَا يَتَّبِعُ) الأبناء آباءهم (الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء) إلاّ ظنّاً منهم بأنّ آباءهم مصيبون بذلك الحقيقة غير ضالّين عن الحقّ ، وذلك قوله تعالى (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) يعني وما يتّبع الأبناء آباءهم في دينهم إلاّ ظنّاً منهم أنّهم على حقّ (وَإِنْ هُمْ) أي الآباء (إِلاَّ يَخْرُصُونَ) أي يكذبون على أبنائهم بأنّ الأصنام شفعاء عند الله .

71 - (وَاتْلُ) أي اقرأ (عَلَيْهِمْ) أي على مشركي مكّة (نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ) أي شقّ وعظم (عَلَيْكُم مَّقَامِي) بينكم (وَتَذْكِيرِي) أي وعِظَتي لكم (بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ) في جميع أموري وبه اعتصمت فلا تقدرون على قتلي لأنّ الله ناصري ومعيني (فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ) يعني جنّكم وشياطينكم الذين يغوونكم ، فكلمة "أمر" تطلَق على كلّ مخلوق أثيري ومن ذلك قوله تعالى في سورة الرعد {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} أي يحفظونه من الأرواح الشرّيرة والجنّ والشياطين . (وَشُرَكَاءكُمْ) أي وأجمعوا شركاءكم الذين تعبدونهم من دون الله (ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً) أي ثمّ لا تكن الجنّ مستورة عنكم بل تُظهر أنفسها لكم وتشاوروا فيما بينكم واعملوا مكيدة ضدّي إن قدرتم على ذلك (ثُمَّ اقْضُواْ) كيدكم (إِلَيَّ) أي انهوا كيدكم فيّ (وَلاَ تُنظِرُونِ) أي لا تنتظرون ، والمعنى لو اجتمعتم أنتم وجنّكم وشياطينكم وشركاؤكم ودبّرتم مكيدة ضدّي لن تقدروا على شيئ من ذلك ولن يصيبني إلاّ ما كتب الله لي . ونظيرها في سورة هود{فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ..الخ} .

93 - (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي هيّأنا لهم مكاناً وأنزلناهم فيه ، وهي أرض كنعان (مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي مكاناً خصباً74 صدقناهم فيه ما وعدناهم به من كثرة الأشجار والأثمار (وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) أي من الأنعام والطيور (فَمَا اخْتَلَفُواْ) في دينهم وأشركوا بعبادة ربّهم (حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ) يعني بعد ما جاءهم العلم في التوراة وعلى ألسن أنبيائهم بأن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئاً ، ولكنّهم اختلفوا بعد موت موسى فغيّروا دينهم وأشركوا بعبادة ربّهم ، وعبدوا البعليم وعشتاروث وغيرها (إِنَّ رَبَّكَ) يا محمّد (يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من أمر دينهم .

94 - لَمّا نزل الوحي على النبيّ في بادئ الأمر ودعا قومه إلى الإسلام أبَوا أن يسلِموا وأخذوا يسخرون منه وقالوا : إنّ الذي جاءك بالوحي هو من الجنّ وليس ملاكاً ، ولو أراد الله أن يرسل رسولاً لأنزل ملائكةً ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين . فرجع النبيّ وفي نفسه شكّ من ذلك وقد تصاغر في نفسه وقال : لو كان ما سمعته حقّاً وأنا رسول لآمن بي هؤلاء وصدّقوني . فنزلت عليه هذه الآية ليطمئنّ في نفسه ويثبت على دعواه ولا يتردّد :

(فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ) من الوحي (فَاسْأَلِ) اليهود (الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ) وقل لهم هل كان موسى ملَكاً نزل من السماء أم هو بشر مثلك ؟ وهل كانت الأنبياء الذين جاؤوا من بعده ملائكة نزلوا من السماء أم بشراً ؟ فإن قالوا لك أنّهم بشر مثلك فاعلم أنّك رسول فقم بواجبك وأنذر قومك والله يهدي من يشاء وليس عليك هداهم (لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ) وليس من الجنّ كما يزعمون (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي من الشاكّين ، يعني لا تشكّ في نفسك ولا تتصاغر عن الرسالة فإنّ الله يختار لها من يشاء من عباده وقد اختارك لها .

95 - (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ) فتقول ربّما كان ذلك من الجنّ وليس ملَكاً (فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فتخسر النبوّة وقد اختارك الله لَها .

96 - (إِنَّ) المشركين (الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) بالعذاب (لاَ يُؤْمِنُونَ) .

97 - (وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) أي كلّ معجزة (حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) إمّا في الدنيا بالقتل والأسر وإمّا في الآخرة في جهنّم .

ولَمّا كثر عليه إنزال السور والآيات اطمأنّت نفسه وأيقن أنّه نبيّ ورسول إلى قريش فأخذ يدعو قومه إلى الإسلام بعزيمة وينذرهم بقوّة قلب ولا يلتفت إلى أقوالهم ولا يهتمّ بسخريتهم حتّى آمن كثير منهم فنزل قوله تعالى في سورة البقرة {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ ..الخ}.

98 - (فَلَوْلاَ) أي فهلاّ (كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ) عند رؤية العذاب قبل إنزاله كما آمن قوم يونس (فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا) ولكن لم يؤمنوا عند رؤية العذاب بل كانوا يقولون سحاب مركوم وليس بعذاب ، وقال آخرون يوم الظلّة قالوا عارض ممطرنا (إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ) رأوا العذاب مقبلاً عليهم (كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) أي إلى انقضاء آجالهم .

101 - لَمّا طلبت قريش المعجزة من النبيّ ليسلموا نزلت هذه الآية (قُلِ) لهم يا محمّد (انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) وفكّروا في صنعتها وإتقانِها وقولوا في أنفسكم مَن خلَقَها وأتقنَ صنعَها فهل أصنامكم أم الله ؟ فذلك أحسن معجزة وأكبر دليل على قدرة الله ووحدانيّته ، فالسماوات والأرض يريد بِها الكواكب السيّارة والأرض من جملتها ، (وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ) عنكم من شيء إذا جاءكم العذاب ، يعني إذا جاء العذاب حين تكذّبون بالمعجزة التي اقترحتم على محمّد بِها لن تدفع العذاب عنكم ولم تؤمنوا أنتم حين رؤيتها ، إذاً فما الفائدة من اقتراحكم هذا ؟ (وَالنُّذُرُ) أيضاً لا يقدرون على دفع العذاب عنكم ، يعني أنبياؤكم أيضاً لا يشفعون لكم إذا جاءكم العذاب ولا يقدرون على دفعه فيتركونكم ويذهبون (عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ) لا يؤمنون بالله ولا برسله .

-----------------------------------

74 :تصفها التوراة بأنّها أرض تدرّ اللبن والعسل . - المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم