كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يونس من الآية( 16) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

16 - (قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ) أي لو شاء الله مدح آلهتكم ما أنزل ذمّها عليّ في القرآن وتحريم عبادتها ولا قرأته عليكم (وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ ) أي ولا أعلمكم الله بهِ (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا ) أربعين سنة (مِّن قَبْلِهِ ) أي من قبل نزول القرآن فهل قلتُ لكم يوماً من الأيّام أنّي رسول من الله إليكم وهل منعتكم من عبادة الأوثان (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) يعني ألا تستعملون عقولكم فتفكّروا في هذا الأمر لكي تصيبوا الحقيقة .

17 - (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا ) فادّعى الألوهيّة في الأصنام أو جعل شريكاً لله في العبادة (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) الّتي جاءَ بها رسولهُ (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ) يعني من جعل شريكاً لله فهو مُجرم ولا يفلح المجرمون .

18 - (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ) شيئاً لو تركوا عبادتها (وَلاَ يَنفَعُهُمْ ) شيئاً مهما استمرُّوا على عبادتها (وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء ) الأصنام (شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ ) لهم يا محمّد (أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ ) الأثيريّة (وَلاَ فِي الأَرْضِ ) المادّية ، يعني أتنبّئون الله بشريك وتَفرِضون عليه بشفيع تسمّونهُ بآرائكم وتدّعونهُ بأهوائكم الّذي لا عِلمَ له بما في السماوات الأثيريّة من مخلوقات روحانيّة ولا عِلمَ له بما في الأرض من نبات وحيوان وإنسان ، ومن كان كذلك فكيف تجعلونه شفيعاً عند الله وكيف تعبدونه ؟ (سُبحانهُ) أي تنزيهاً له عن الشريك (وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) بهِ من مخلوقات ومخلوقين .

19 - (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ) في الدِين ، أي مسلمين موحّدين وذلك في زمان آدم (فَاخْتَلَفُواْ) بعد وفاة آدم إلى أديان شتّى وأشركوا ، ونظيرها في سورة البقرة وهي قوله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النبيّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ } ، وقوله (وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ) في إمهالهم وتأخير العقوبة إلى ما بعد مماتهم (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) بإنزال العذاب عليهم وإهلاكهم عقاباً لهم (فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) من التوحيد إلى الإشراك .

20 - (وَيَقُولُونَ) أي يقول المشركون (لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ) أي معجزة كونيّة فنؤمن بهِ ونُصدّقهُ (فَقُلْ) يا محمّد لهم قد أوعدناكم في القرآن بحدوث آيات من حوادث كونيّة خارقة للعادة تقع في آخر الزمان ولكن متى تكون فهو غيب (إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ ) يعني لا يعلم وقت حدوثها إلاّ الله ، وحُدوثها يكون بمشيئتهِ إن شاءَ قرّبَ وقتها وإن شاء أخّرَ وقتها (فَانْتَظِرُواْ) حدوث تلك الآيات (إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ) . والآيات الّتي تكون في آخر الزمان هيَ : اتّساق القمر ، وانشقاقه فيكون نِصفَين ، ثمّ انجذابه للشمس ، ووقوف الأرض عن دورتها المحوريّة فيكون اللّيل سرمداً في جهةٍ منها والنهار سرمداً في الجهة الاُخرى ، وسقوط ذوات الذنب على الأرض ، وغير ذلك ممّا شرحتهُ في كتابي الكون والقرآن .

21 - نزلت هذه الآيات في عمرو بن العاص وأصحابه لَمّا ذهبوا إلى الحبشة في طلب المؤمنين (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ ) يعني إذا أنعمنا عليهم بالخصب بعد الجدب وبالرخاءِ بعد الشِّدّة وبالصحّة بعد المرض فبدل أن يشكروا الله على تلك النِّعم ويؤمنوا بآياتنا (إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا ) يعني فإذا هم قد أعدّوا مكراً لإبطال آياتنا . وذلك ما أعدّه عمرو بن العاص للسَفر إلى الحبشة والهدايا الّتي أخذوها معهم إلى ملِك الحبشة (قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ) من مكركم ، وذلك بأن يهدي ملِك الحبشة ويُلقي العطف في قلبه على المؤمنين فيتحنّن عليهم ولا يُصيبهم مكروه (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) فنعاقبكم عليه في الآخرة .

22 - قل يا محمّد لكفّار قريش (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) فلماذا تعبدون غيره ؟ (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ ) لَمّا سافرتم إلى الحبشة في طلب المؤمنين وكادت سفينتكم تغرق وقاربتم على الهلاك لولا أن دعوتم الله فدفعَ الخطر عنكم ، أهكذا يكون شكر إنعامنا عليكم إنكاركم لآياتنا وبغيكم على المؤمنين من عبادنا ؟ ثمّ أخذَ سُبحانهُ في إتمام القصّة مخاطباً رسوله فقال (وَجَرَيْنَ بِهِم ) تلك الفلك (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) أي ليّنة (وَفَرِحُواْ بِهَا ) أي بتلك الريح (جَاءتْهَا) أي لحقتها (رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ) أي أحاطت بهم أسباب الغرق والهلاك ، حينئذٍ (دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ولم يذكروا أصنامهم في تلك الشِدّة ، قائلين (لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ ) الشدّة (لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) لنَعمائك . القصّة: سافر جماعة من قُريش وعلى رأسهم عمرو بن العاص إلى الحبشة في طلب المؤمنين الّذينَ هاجروا إليها ، وكان سفرهم بحراً ، فلمّا توسّطوا الطريق هاجت ريح شديدة عاصفة وكادوا يغرقون فأخذوا يدعون ويتضرّعون إلى الله قائلين : "لئن أنجيتنا من هذه الشِدّة نشكرْ نَعماءك علينا ونترك المسلمين ولا نتعرّضْ لهم بأذَى" . فسكنت الريح ونجَوا من الغرق ، ولَمّا وصلوا إلى الحبشة قدّموا هدايا إلى ملِك الحبشة وقال عمرو بن العاص : "أيّها الملك إنّ قوماً خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا وصاروا إليك فردّهم إلينا ." فبعث النجاشي إلى جعفر فجاءه فقال : "أيّها الملِك سَلْهم أنحن عبيد لهم؟" فقال عمرو : "لا بل أحرار" ، قال : "فسَلْهم ألَهُمْ علينا ديون يطالبوننا بِها؟" قال : "لا ما لنا عليكم ديون" ، قال: "فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بِها؟" قال عمرو: "لا" ، قال : "فما تريدون منّا؟ آذَيتمونا فخرجنا من دياركم ." ثمّ قال : "أيّها الملك بعث الله فينا نبيّاً أمرنا بخلعِ الأنداد وترك الاستقسام بالأزلام وأمرنا بالصلاة والزكاة والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي" . فقال النجاشي: "بهذا بعث الله عيسى" ، ثمّ قال لجعفر : "هل تحفظ مِمّا أنزل الله على نبيّك شيئاً؟" قال : "نعم" ، فقرأ سورة مريم فلمّا بلغ إلى قوله تعالى {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } ، قال : "هذا والله هو الحقّ" . فقال عمرو : "إنّه يخالف ديننا فردّه إلينا" ، فرفع النجاشي يده فضرب بِها وجه عمرو وقال : "اسكُتْ والله لئن ذكرتهُ بعدُ بسوء لأفعلنّ بك" ، وقال لحاشيته : "أرجِعوا إلى هذا هديّته" ، وقال لجعفر وأصحابه : "اُمكثوا فإنّكم سيوم" والسيوم الآمنون ، وأمر لهم بِما يصلحهم من الرزق ، فانصرف عمرو ومن معه خائبين ، وأقام المسلمون هناك بخير .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم