كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يونس من الآية( 26) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

26 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ ما لهؤلاء المؤمنين في دار السلام فقال (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ) إلى الفقراء والأيتام والمحتاجين (الْحُسْنَى) في الآخرة ، أي لهم معيشة حُسنى (وَزِيَادَةٌ) من الله على ما يستحقّونهُ من الأجر جزاءً على إحسانهم (وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ) كما يرهق وجوه أهل النار ، "فالرهَق" هو التكليف بما يشقّ على الإنسان ، و"القتَر" هو تقتير العيش ،
ومن ذلك قول كعب بن زُهير يصف رجلاً : كَسُوبٌ إلى أنْ شَبَّ مِنْ كَسْبِ واحِدٍ مُحالفُهُ الإقْتارُ لا يَتَمَوَّلُ
والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة طا ها {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } ، والمعنى : لا يصيبهم أمرٌ يشقّ عليهم ولا تقتير من العيش تظهر علائمهُ في وجوههم ،
ومن ذلك قول أبي قيس بن رفاعة : وسَيْفِي صارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ ويَمْنَعُنِي مِنَ الرَّهَقِ النَّبِيتُ أي يمنعني من التكليف التعب
(أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .

27 - (وَالّذينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ ) في الدنيا (جَزَاءُ) كلّ (سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ) في الآخرة (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) بين النفوس ، يعني والشيء الّذي يكلّفهم ويصعب عليهم هو الذِّلّة بين النفوس ، فالرهق هو التكليف والمشقّة ،
ومن ذلك قولُ الأعشى : لا شَيْءَ يَنْفَعُنِي منْ دُونِ رُؤيتِها هلْ يَشْتَفِي وامِقٌ ما لَمْ يُصِبْ رَهَقَا الوامق هو المحِبّ ، والمعنى : هل يشفي قلبَ المحِبّ ويحصل على محبوبتهِ بدون مشقّات .
(مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ ) أي ما لهم مَلَكٌ حافِظٌ من الله يحفظهم من الشياطين كما للمؤمنين حَفَظَة (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللّيل مُظْلِمًا ) لشدّةِ سوادها (أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) يوم القيامة .

28 - (وَيَوْمَ) القيامة (نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ) العابدين والمعبودين (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ ) أي لازِموا مكانكم في المحشر (أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ) الّذينَ عبدتموهم من دون الله (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ) أي ففرّقنا بين المعبودين ، يعني بين الأصنام والملائكة ،
ومن ذلك قول الخنساء : تَغْدُو عَلَيْنا فتَأبَى أنْ تُزايلَنا للخيرِ فالخيرُ منّا رَهنُ أرماسِ من قولهم زال يزولُ أي مالَ ، ذهبَ ،
تفرّقَ (وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم ) يعني قالت الملائكة للمشركين (مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ) يعني لم نأمركم بعبادتنا ولا عِلمَ لنا بذلك .

29 - (فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ) أي مراقباً ، تقديره كفَى الاستشهاد بالله شهيداً (بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) فهو يعلم ويرى (إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ ) لنا (لَغَافِلِينَ) لا علم لنا بِها .

30 - (هُنَالِكَ) ، تُستعمَل كلمة "هنالِكَ" للمكان والزمان معاً ، أمّا كلمة "هُناكَ" فتُستعمَل للمكان فقط (تَبْلُو) أي تختبر (كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ ) أي ما عملت سلفاً في دار الدُنيا (وَرُدُّواْ) الملائكة المعبودين (إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ ) أي رجعوا إلى مكانهم في السماوات الأثيريّة بعد سؤالهم ومُحاكمة من عبدوهم (وَضَلَّ عَنْهُم) أي ضلّ عن المشركين (مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) أي ما كانوا يكذبون بقولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، فلم يشفعوا لهم بل تبرّؤوا منهم ، وتشمل هذه الآية كلّ من عبد الأنبياء والمشايخ والأئمّة ، فالنصارى عبدوا المسيح ، والمسلمون [اليوم] أكثرهم يعبدون قبور المشايخ والأئمّة ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما قالت قريش في الملائكة .

31 - (قُلْ) يا محمّد لهؤلاء المشركين (مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ ) بالمطر (وَالأَرْضِ) بالنبات والثمر ، فلو منع المطر عنكم لَما اخضرّ في أرضكم نبات ولا صارَ في أشجاركم ثمر (أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ ) في آذانكم (والأَبْصَارَ) في عيونكم فلو ذهبَ بسمعكم وأبصاركم فماذا يكون مصيركم غير الصمم والعمى (وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) الحيّ كلّ شيء ينمو ويتكاثر ، والميّت كلّ شيء لا ينمو ، والمعنى : من يُخرج لكم النبات والشجر من الأرض الميّتة فتأكلون منهُ وتدّخرون لوقتِ شتائكم (وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ ) أي يُخرجُ لكم اللّبن من البقر ، والزبدَ والجبنَ والدهنَ من الغنم ، والقَيمر والكْرِيم من الجاموس ، والعسل من النحل ، فتأكلون منهُ وتدّخرون لوقتٍ آخر ، ويُخرجُ لكم الصوف من الغنم ، والشعر من المعز ، والوبر من الإبل ، والقزّ من دودة القز ، والريش من الطير ، لتعملوا منها ملابس لكم وأثاثاً لجلوسكم ومنامكم ، واللّؤلؤ من حيوان صدفي ، والمرجان من البحر ، والعاج من الفيل ، لزينتكم وقلائد تلبسها نِساؤكم وبناتكم (وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) من السماءِ إلى الأرض ، يعني : ومَن يُنزّل الملائكة إلى الأرض لإنزال الوحي على أنيائكم لتعليمكم وإرشادكم إلى عبادة ربّكم؟ (فَسَيَقُولُونَ) في جوابك (اللّهُ) يرزقنا هذه الأشياء وهو الّذي يُنزّل المطر علينا من السماء (فَقُلْ) لهم (أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) عذابه بما يكره ويمنع من عبادة الأصنام .

32 - (فَذَلِكُمُ) الّذي خلق لكم هذه الأشياء وجعلها رِزقاً لكم ولمنافعكم هو (اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ) يعني هو ربّكم الحقيقي ، أمّا الّذينَ تعبدونهم من دونه فليسوا آلهة ولم يخلقوا شيئاً مِمّا تأكلون وما تلبسون ولا غير ذلك مِمّا هو في الأرض (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ) يعني ليس بعد الذهاب عن الحقّ إلاّ الوقوع في الضلال ، والمعنى : فلمّا ثبتَ أنّ عبادتهُ حقّ ثبت أيضاً أنّ عبادة ما سواهُ باطلٌ وضلال (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) أي فكيف تعدلون عن عبادتهِ إلى عبادة غيره مع وضوح الدلالة على أنّهُ خالق الأشياء كلّها ولا خالق للكون غيره ؟

33 - (كَذَلِكَ) أي كما اعترفوا بأنّ الله هو الرازق كذلك يعترفون بأنّ الله هو الخالق ولكن (حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ) بالعذاب (عَلَى الّذينَ فَسَقُواْ ) لأنّ الفاسقين يظلمون الناس (أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) بالرُسُل بسبب فُسقهم ونفاقهم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم