كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يونس من الآية( 59) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

59 - (قُلْ أَرَأَيْتُم ) يعني أعطوني رأيكم في (مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ ) يعني من الأنعام التي أنزلها من الجبل الذي خلق الله فيه آدم وحوّاء ، وذلك قوله تعالى في سورة الزمر {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } ، (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً ) وذلك ما حرّموهُ من السائبة والوصِيلة والبَحِيرة ونحوها (قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ ) في ذلك التحريم والتحليل (أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ) أي تكذبون ؟

60 - (وَمَا ظَنُّ الّذينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ ) هل يُثابون أم يُعاقَبون على كذبهم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) فإن ظنّوا أنّهم يُعاقَبون على كذبهم فكيف إذاً يكذبون على الله بتحريم بعض الأنعام وتحليل البعض الآخر (إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) بكثرة النِعم وبـتأجيل العقاب عنهم إلى الآخرة (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ) نِعم الله عليهم .

61 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في خطاب النبيّ والمؤمنين على وجه المدح فقال (وَمَا تَكُونُ ) يا محمّد (فِي شَأْنٍ ) مع قومك من شؤون الدين والقرآن (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ) يعني وما تقرأ من سورةٍ في القرآن (وَلاَ تَعْمَلُونَ ) أيّها المسلمون (مِنْ عَمَلٍ ) في سبيل الله (إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ) أي حُضوراً نُشاهد أعمالكم ونسمع تلاوتكم للقرآن (إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) يعني إذ تُكثرون في قراءتهِ بين الناس لكي يستمعوا إليهِ . فالفيض معناهُ الكثرة ، يُقال في المثَل "غيضٌ من فيض" ، يعني قليلٌ من كثير ، وتُستعمل هذه الكلمة في السوائل ولا تُستعمَل في الجمادات ، فيقال "فاضَ النهر" ولا يُقال فاضَ الرمل ، وتُستعمل في الكلام فيُقال "أفاضَ في الحديث" ، أي أكثرَ فيهِ (وَمَا يَعْزُبُ ) "العازب" معناهُ الغائب ، البعيد ، المنقطع ،
والشاهد على ذلك قول الخنساء : ما بالُ عينِكِ منها الدمعُ مُهراقِ سَحّاً فلا عازِبٌ منها ولا راقِ أي فلا ينقطع الدمع منها ولا يقلّ بل هو سُحّاً على الدوام ، فقولها "ولا راقِ" من الرِقّة وهي الخِفّة والقِلّة .
وقال حسّان بن ثابت الأنصاري : أقولُ ولا يُلفَى لِقوليَ عائِبٌ مِنَ النَّاسِ إلا عازِبُ العَقْلِ مُبْعَدُ فقول الشاعر "إلا عازِبُ العَقْلِ" يعني بعيد القول عن الصواب .
فقوله تعالى (وَمَا يَعْزُبُ ) يعني وما يبعدُ ولا ينقطع (عَن) عِلم (رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ) أي ثقلَ ذرّة فما أكبر منها وأثقل (فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ) يعني لا من أعمال من سكن الأرض ولا من سكن السماء وهم الجنّ (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ ) يعني أصغر من الذرّة (وَلا أَكْبَرَ ) منها (إِلاَّ) وتكتبها الملائكة (فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) أي يتبيّن ذلك للعيان يوم القيامة . والمعنى : إنّ الله يُراقب أعمالكم والملائكة تكتبها في صحائف أعمالكم وتؤجَرون عليها في الآخرة ولا تُنقَصون شيئاً منها . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ هؤلاء المؤمنين لهم الأمان في الآخرة فقال :

62 - (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ ) يعني الّذينَ يُحبّون الله ويوالونهُ (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) من الشياطين في عالم البرزخ (وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) على فراق الأهل والأولاد .

63 - (الّذينَ آمَنُواْ ) باللهِ ورسولهِ (وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ) معاصِيه .

64 - (لَهُمُ الْبُشْرَى ) بدخول الجنّة (فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا ) بما صرّحَ بهِ القرآن (وَفِي الآخِرَةِ ) تبشّرهم الملائكة بدخول الجنّة (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ) أي لا خُلفَ لِما وعد الله بهِ من الثواب (ذَلِكَ) الثواب والبشارة (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) في الآخرة .

65 - ثمّ أخذ سُبحانهُ في تسليةِ رسولهِ وتطمينهِ عن أذَى المشركين فقال تعالى (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ) يا محمّد إذ قالوا ساحر (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ) فيمنعهم عنك بعزّتهِ ويدفعُ أذاهم عنك بقدرتهِ (هُوَ السَّمِيعُ ) لأقوالهم (الْعَلِيمُ) بأفعالهم .

66 - لَمّا دعا الله المشركين إلى عبادته وإلى التوحيد بربوبيّتهِ ، أبَوا ولم ينقادوا ، فنزل قولهُ تعالى (أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات ) الأثيريّة ، وهم الملائكة (وَمَن فِي الأَرْضِ ) كلّها ، أي ومن في الكواكب السيّارة ، فهؤلاء يعبدونهُ ولهُ يسجدون وهو غنيٌّ عن عبادتكم أيّها المشركون . ولَمّا نهاهم عن عبادة الأوثان والأصنام قالوا : إنّا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون . فقال تعالى عنهم (وَمَا يَتَّبِعُ ) الأبناء آباءهم (الّذينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء ) إلاّ ظنّاً منهم بأنّ آباءهم مُصيبون بذلك الحقيقة غير ضالّين عن الحقّ ، وذلك قوله تعالى (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ) يعني وما يتّبع الأبناء آباءهم في دينهم إلاّ ظنّاً منهم أنّهم على حقّ (وَإِنْ هُمْ ) أي الآباء (إِلاَّ يَخْرُصُونَ ) أي يكذبون ثمّ يُصرّون على قولهم ولا يستثنون عنهُ . وقد سبق تفسير "يخرصون" في سورة الأنعام في آية 116 . وقد أعاد التاريخ نفسهُ فكما كانوا يكذبون على أبنائهم بما يصفون لهم من قدرة للأوثان وشفاعة ، كذلك اليوم أخذ الشيوخ يقصّون علينا أحاديث موضوعة بأنّ المشايخ والأولياء والأئمّة لهم القدرة على المادّة فهم يُحيون الأموات ويصنعون المعجزات بإذن الله ولهم الشفاعة الكبرى عند الله . وبسبب هذه الأقوال وهذه الافتراءات أصبحت الأبناء تُقدّس قبور المشايخ والأئمّة بل تعبدها وتسجد لها وتُشرك المشايخ مع الله في العبادة وتتّخذهم شفعاء عند الله كما كانت قريش وغيرهم من العرب في زمن الجاهليّة ، وقد قال الله تعالى في سورة الزُمَر {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } ، وقال تعالى مُخاطباً رسوله الكريم في سورة الأعراف {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } ، أقول إن كان محمّد لا يتمكّن على جلب نفع لنفسه ولا دفع ضُرٍّ عنهُ إلاّ بإرادة الله فكيف بمن هو دونه في المنزلة يتمكّن على جلب نفعٍ للناس ودفع ضُرٍّ عنهم ؟

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم