كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يوسف من الآية( 72) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

72 - (قَالُواْ) غلمان يوسف (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ ) وهو كأس من فضّة (وَلِمَن جَاء بِهِ ) أي بالكأس (حِمْلُ بَعِيرٍ ) من الحنطة مجّاناً بلا ثمن (وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ) يعني وأنا كفيل أن أعطيه من الطعام حمل بعير ، فالزعيم معناهُ الكفيل ، قال الله تعالى في سورة القلم {سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ } أي كفيل .
وقال الراعي : فإنّي زَعِيمٌ أَنْ أقُولَ قَصِيدَةً مُحَبَّرةً كالنّقبِ بَيْنَ الْمَخارِمِ
وقال الآخر : إنّي زعيمٌ لكِ أمَّ عمروٍ بِمَاجِدِ الجدِّ كرِيمِ النَّجْرِ
وقال امرؤ القيس : وَإني زَعِيمٌ إنْ رَجَعْتُ مُمَلَّكاً بسَيْرٍ تَرَى مِنْهُ الفُرَانِقَ أزْوَرَا

73 - (قَالُواْ) إخوة يوسف (تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ ) بأخذ أموال الناس (وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ) من قبل لنسرق اليوم كأس الملِك .

74 - (قَالُواْ) غلمان الملِك (فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ ) في قولكم وظهر الكأس في أمتعتكم ؟

75 - (قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ ) الكأسُ (فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ) يعني يكون مملوكاً لمن سُرِقَ منهُ الكأس ، أي مملوكاً ليوسف ، وهذا حكم يعقوب الّذي جاء في صُحُف إبراهيم (ع) بأنّ السارق يكون مملوكاً للّذي سُرِقَ منهُ المال (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) أي نجزي السارقين في شرعنا وحُكمنا .

76 - (فَبَدَأَ) المفتّش (بِأَوْعِيَتِهِمْ) الّتي فيها الطعام (قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ) بنيامين (ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا ) أي استخرج السِقاية (مِن وِعَاء أَخِيهِ ) بنيامين (كَذَلِكَ) أي كما علّمناهُ مكيدة أن يأتي بأخيهِ من أرض كنعان إلى مصر كذلك (كِدْنَا لِيُوسُفَ) أي علّمناهُ هذه المكيدة الثانية بأن أخذ أخاهُ وأبقاهُ عندهُ (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ) يعني ليس لهُ حقّ في شريعة ملِك مصر أن يكون السارقُ مملوكاً لمن سُرِقَ منهُ المال بل حُكمهُ السجن (إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ ) فعلّمهُ هذهِ المكيدة ليأخذه عنده (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاءُ ) بالعِلمِ والنبوّةِ والهداية (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ ) من المخلوقين (عَلِيمٌ) بجميع المعلومات ، وهو الله تعالى . ولَمّا رأوا الكأس قد استخرجهُ غلمان يوسف من وعاء بنيامين .

77 - (قَالُوا) إخوة يوسف (إِن يَسْرِقْ ) بنيامين الكأس (فَقَدْ سَرَقَ ) الترافيم (أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ) يعنون بهِ يوسف ، والمعنى : إنّما سرق بنيامين اليوم لأن أخاهُ سرقَ من قبلهِ فاقتدى بهِ في السرقة والقصة في ذلك : أنّ راحيل أم يوسف اخذت تمثالاً صغيراً من الفضّة يُسمّونهُ "ترافيم" كان عند أبيها المسمّى "لابان" وأخفته عن أبيها وأنكرتهُ ، ولَمّا ماتت راحيل أخذته اُختها المسماة "ليئة" وأخفتهُ ، وكان يوسف صغيراً حين ماتت اُمّهُ فأخذته خالته ليئة وقامت بتربيتهِ ، فاتّفق يوماً أنّ يوسف فتح الصندوق الّذي فيه التمثال فلَمّا رآهُ أعجبه أن يلعب بهِ فأخذهُ وصار يلعب به كما تلعب الأطفال بالدُمَى وذهب بهِ إلى بيت أبيهِ يعقوب ، فلما جاءت خالته ليئة إلى بيتها رأت الصندوق مفتوحاً والترافيم غير موجود في الصندوق فأخذت تُفتّش عنه وتسأل فقالوا رأيناهُ بيد يوسف يلعب بهِ ، فذهبت إلى بيت أبيهِ وأخذتهُ منهُ . فعدّ أخوته تلك الحادثة سرقة عليهِ (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ) يعني أسرّ كلمتهم هذه إذ جعلوهُ سارقاً ولم يكشف حقيقتها لئلّا يعرفوهُ ، بل (قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا) يعني أنتم شرٌ تمكيناً منه إذا تمكّنتم على شيء أن تفعلوهُ ، والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة هود {وياقوم إعملوا على مكانتكم إني عاملٌ } ، يعني إعملوا على قدر تمكينكم من أذيّتي وقتلي إن قدرتم على ذلك . ومعنى قول يوسف (أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ) يعني إن كانت حادثة التمثال جعلتموها سَرِقة فأنا أخذته لألعب بهِ ثمّ أردّهُ إلى مكانهِ ولم تكن غايتي أن أسرقهُ ، ثانياً أنا كنتُ طِفلاً صغيراً لا لوم عليّ في ذلك ، ثالثاً إنّ التمثال خلّفَتهُ أمّي بعد موتها وأخذتهُ خالتي فأنا أحقّ به من خالتي . وأمّا أخي بنيامين لم يسرق الكأس بل أنا أمرتُ غلماني فوضعوهُ في وعائهِ وكانت هذه مكيدة منّي لآخذهُ عندي . ولكنّكم سرقتم أخاكم من أبيكم وأردتم قتلهُ ثمّ ألقيتموهُ في الجُبّ ثمّ بعتموهُ بعشرين درهماً بأبخس الأثمان كما تُباع البضاعة وأنتم رجال بالغو الرُشد ولستم أطفالاً صغاراً وبذلك جنَيتم على أخيكم وعلى أبيكم فأصبحتم عاقّين لهُ وجلبتم حُزناً عليه حتى ضَعُفَ بصرهُ من البُكاء ، فأينا شرٌ تمكيناً من صاحبهِ؟ فهذا معنى قوله (أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ) . (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ) من أمر السرقة ، يعني الله أعلم منكم بذلك فيعلمُ أنّي لم أسرق التمثال بل أخدتهُ لألعب بهِ ثمّ أردّه إلى مكانهِ ، والله أعلم بأخي بنيامين بأنّهُ لم يسرق الكأس بل أنا أمرتُ غلماني أن يضعوهُ في متاعهِ .

78 - (قَالُواْ) إخوة يوسف (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ) وهذه كانت كناية الوزراء ، كما يكنّون اليوم الوزير بصاحب السعادة وصاحب المعالي وغير ذلك من الكنايات التفخيميّة (إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا ) في السنّ (فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ) أي بدلاً عنهُ (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) إلينا في الكيل والضيافة وردّ البضاعة ، فكما أحسنت إلينا في ذلك فأحسنْ إلينا اليوم وخذ أحدنا مكانهُ .

79 - (قَالَ) يوسف (مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ) لو فعلنا كما طلبتم (إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ ) في حقّ البريء .

80 - (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ ) يعني فلمّا يئسوا منه أن يُجيبهم إلى طلبتهم (خَلَصُواْ نَجِيًّا ) أي اعتزلوا عن الناس وأخذوا يتناجَون فيما بينهم ويتشاورون هل يذهبون إلى أبيهم بغير بنيامين أم يُقيمون في مصر ، وما هو الحلّ في هذه المشكِلة (قَالَ كَبِيرُهُمْ ) في السنّ وهو راؤوبين (أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ ) بأن نُعيد بنيامين إليهِ فكيف نرجع وحدنا ونترك بنيامين في مصر (وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي ) حقّ (يُوسُفَ) يعني ما قصّرتم في حقّهِ فكنتم قد عاهدتم أباكم أن تُعيدوهُ إليهِ فنقضتم العهد وألقيتموهُ في الجُبّ . فالتفريط معناهُ التقصير والتضييع ، والشاهد على ذلك قول لبيد : أقْضِي اللُّبانةَ لا أفرِّطُ رِيبةً أو أنْ يَلومَ بِحاجةٍ لُوَّامُهَا وقال جرير : آلُ المهَلَّبِ فَرَّطُوا في دِينِهِمْ وطَغَوا كما فَعَلتْ ثمودُ فبَارُوا (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ ) يعني لا أخرجُ من مصرَ ، ومن ذلك قول الأعشى : أقُولُ لَها حِينَ جَدَّ الرحِيلُ أَبْرَحْتِ رَبّاً وأَبْرَحْتِ جَارَا يعني أخرجتِ معكِ سيّداً وأخرجتِ جاراً حين خرجتِ . وقالت الخنساء : دقَّ عَظْمِي وهاضَ منّي جَناحِي هُلْكُ صَخْرٍ فما أُطيقُ براحَا يعني فما أطيقُ القيام من مكاني . (حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي ) في الرجوع إلى أرض كنعان (أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي ) بما يُريد وما يُسبّب في نجاة بنيامين (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) فقال راؤوبين أنا أبقى هُنا وأنتم إحملوا الطعام إلى أهلكم وأخبروا أباكم بالحادثة . وذلك قوله :

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم