كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة يوسف من الآية( 98) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

98 - (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ ) يعني أنتم أذنبتم مع يوسف فإنْ رضِيَ عنكم يوسف فحينئذٍ أستغفر لكم وذلك بعد أن نذهب إلى مصر ليكون الاستغفار بحضورِه لكي يقول آمّين (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ) للتائبين (الرَّحِيمُ) بالنادمين . وكان يوسف أرسلَ لهم عربات لتحملَ أمتعتهم وأهاليهم وذراريهم وأموالهم ، وساقوا مواشيهم ودوابّهم إلى مصر بأجمعهم ، وكانوا سبعةً وسبعين نفراً ، ويوسف وولداه في مصر ، فيكون مجموع آل يعقوب ثمانين نفراً دخلوا مصر ، ولَمّا خرجوا من مصر مع موسى كانوا سِتمائة ألف رجل عدا الأطفال والنساء .

99 - (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى ) يوسف (إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ) يعني ضمّهُما إلى صدرهِ وقبّلهما ، وهما أبوهُ يعقوب وخالتهُ ليئة ، لأنّها قامت بتربيتهِ بعد وفاة اُمّه راحيل ، وقد ماتت راحيل حين ولدت بنيامين عند نفاسها (وَقَالَ) يوسف لأهلهِ (ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ ) 5 لأنّ يوسف خرج لاستقبالهم مع حاشيتهِ وجيشهِ إلى جاسان ، وهي في شمال بلبيس ، ومن مدنها "سفط الحنة" ، وأسكنهم هناك في بادئ الأمر لأنّها أرضٌ خصبة ذات مرعى وكانت لهم مواشي كثيرة فلذلك اختار لهم ذلك المكان ، ثمّ أعطاهم مُلكاً في أرض رعمسيس وأسكنهم فيها ، وأخذ معهُ أباهُ وخمسةً من أخوتهِ إلى مصر وقدّمَ اباهُ إلى الملِك فقال هذا أبي ، فاحترمهُ الملِك وعظّمهُ وأجلسهُ إلى جنبه على العرش ، أي على تختِ المملكة وقال لحاشيتهِ وعبيدهِ ومن حضرَ عندهُ : "اُسجدوا ليعقوب سجود تحيّة " ، فسجدوا لهُ . وهذا معنى قوله تعالى :

100 - (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ) يعني أجلسَ أباهُ يعقوب وخالته ليئة على العرش أي على كرسي الحكم الّذي يجلس عليه يوسف (وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا ) يعني وخرّوا عبيد الملِك وحاشيته ليعقوب سُجّداً تحيّةً لهُ (وَقَالَ) يوسف لأبيهِ (يَا أَبَتِ هَـذَا ) ما تراهُ اليوم مِمّا أنا فيهِ من الملْك والسُلْطة (تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ) أي تفسير منامي وعاقبتها الّتي رأيتها من قبل ، وكانت المدّة بين الرؤيا وتحقيقها بسجود أخوتهِ لهُ أربعةَ عشرَ عاماً (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) أي قد تَحَقّقَتْ بإرادة ربّي فسجدوا لي إخوتي تحيّةً وتعظيماً كلّما دخلوا عليّ قبل أن اُعرّفهم بنفسي ، وأمّا أنتَ وخالتي فقد سمعتما لقولي وأتيتما من أرض كنعان إلى مصر ، وأمّا السُلطة على المصريّين فهيَ بيدي أحكم عليهم بما اُريد وأفعلُ ما أشاء (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي ) ربّي (إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ) أي من البادية من أرض كنعان قُرب الأردن (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) يعني من بعد ما أغرى الشيطان وأفسدَ بيني وبين أخوتي بوساوسهِ ،
ومن ذلك قول سويد بن أبي كاهل يذمّ رجُلاً أعمى : كَمِهَتْ عَيْناهُ حَتَّى ابْيَضَّتَا فهُوَ يُلْحِي نَفْسَهُ لِما نَزَغْ فقول الشاعر " يُلْحِي نَفْسَهُ لِما نَزَغْ " يعني يُدني نفسهُ لِما أفسد ويلتصق بهِ لئلاّ يرى الحاضرون ما أفسدهُ ، فقولهُ " يُلْحِي" مُشتقّة من لحاء الشجر وهو قِشرهُ ،
(إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء ) حيث لطفَ بي وأصلحَ إخواني وأحوالكم وأنقذكم من هذه السنين المجدِبة لئلاّ تموتوا جوعاً (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ) بعبادهِ (الْحَكِيمُ) في تدبير اُمورهم وما يحتاجون إليهِ من أمرِ معاشهم . ثمّ شكرَ ربّهُ فقال :

101 - (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ) يعني من تأويل الرؤيا الّتي يُحدّثونني عنها (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) يعني الكواكب السيّارة ومن جُملتها الأرض ، لأنّها كانت أرضاً واحدةً ففطّرها وجعلها تسعة كواكب سيّارة ، أي تسع أراضي (أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ ) أي تتولّى شؤوني وترعاني (تَوَفَّنِي) إذا توفّيتني (مُسْلِمًا) أي مُستسلماً لأمرك مُنقاداً لطاعتك (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) من أوليائك وأنبيائك ، يعني إجمعني معهم في الجنّة . ومكث يعقوب في مصر سبع عشرة سنة ومات وكان عُمرهُ مائة وسبعاً وأربعين سنة ، فأمرَ يوسف المصريّين فحنّطوهُ وبعد سنين حملهُ إلى فلسطين إلى الخليل فدفنهُ مع آبائهِ إسحاق وإبراهيم ، وذلك عن وصيّةٍ من أبيهِ يعقوب .

102 - ثمّ عادَ سُبحانهُ يُخاطب رسولهُ محمّداً فقال (ذَلِكَ) إشارة إلى قِصّةِ يوسف وإخوتهِ (مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ ) أي ما غابَ عنك علمهُ (نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) أي نخبرك بهِ بالوحي ما كنتَ فيهم حينَ أرادوا قتلهُ (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ ) على بيعهِ للإسماعيليّين (وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) بهِ حين ألقَوهُ في الجُبّ .

103 - (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ ) على إيمانهم (بِمُؤْمِنِينَ) لك .

104 - (وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ) يعني على تبليغ الرسالة (إِنْ هُوَ ) أي القرآن (إِلاَّ ذِكْرٌ ) أي موعظةٌ (لِّلْعَالَمِينَ) أي للناس أجمعين .

105 - (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ ) أي وكم من آيةٍ (فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ) ويُشاهدونها (وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) يعني وهم عن التفكير فيها والاعتبار بها مُعرِضون .

106 - (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ) يعني أكثرهم يؤمنون بأنّ اللهَ خالقهم ورازقهم وهو الّذي أحياهم وبيدهِ مماتهم ولكن يُشركون المخلوقين في العبادة مع الخالق فينذرون للملائكة ويسألون حوائجهم منها ويُقدّسونها . ومِثلها في المعنى قوله تعالى في سورة العنكبوت {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي فكيف يُصرَفون عن عبادة الله الخالق إلى عبادة المخلوقين ؟ فكذلك اليوم أصبحت أكثر الناس يؤمنون بأنّ الله خالقهم ولكن يُشركون المشايخ والأئمّة في العبادة مع الله فيعبدون قبور الأئمّة والمشايخ ويُقبّلونها ويتبرّكون بتربتها وجدرانها وينذرون لهم ويستعينون بهم عندَ قيامهم وقعودهم ويسألون حوائجهم منها ويقولون هؤلاء شُفعاؤنا عند الله . فترى بعض المسلمين يبني مسجداً ثمّ يكتب على بابهِ "مسجد وحسينيّة" فيُشرك الحسين مع الله في عملهِ هذا ، أو ينذر نذراً لله فيشرك الحسين في نذرهِ مع الله فيقول أنذر لله والثواب للحُسين ، أو ينذر للحُسين فيشرك الله بنذرهِ ، أو يُشرك بسؤالهِ فيقول يا ألله يا محمّد يا علي ، وبهذا السؤال أشرك اثنين من البشر مع الله ، وهكذا تجد أكثر الناس يُشركون بأعمالهم مع الله . أما المسيحيّون فقد أشركوا المسيح واُمّهُ مع الله في العبادة ، وهكذا باقي المِلَل والكلّ يعترفون بأنّ الله خالقهم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم