كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الحجر من الآية( 16) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

16 - (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ ) يريد بها السماء الأثيريّة أي الجنان (بُرُوجًا) أي قصوراً عالية (وَزَيَّنَّاهَا) أي زيّنّا تلك البروج (لِلنَّاظِرِينَ) الّذينَ يسكنونها من الملائكة والأنبياء والشُهداء والصالحين وينظرون إلى تلك الزينة . والشاهد على أنّ البروج هيَ القصور قوله تعالى في سورة النساء {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } يعني في قصور مُشيّدة .

17 - (وَحَفِظْنَاهَا) أي حفظنا تلك السماء (مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ) رجمتهم الملائكة بالشُهُب فلا يمكنهم الصعود إليها ولا الدخول إلى تلك الجنان لأنّهم طُرِدوا منها ، وذلك قوله تعالى في سورة الحجر {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } .

18 - (إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ ) من هؤلاء الشياطين في الزمن الماضي 1 ، يعني إلاّ من صعدَ في الطبقات الغازيّة واقتربَ من السماء الأثيريّة وأنصتَ إلى كلام الملائكة وأحاديثهم وأرادَ أن يسرق منهم بعض الأخبار وينزل بها إلى الأرض (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ ) أي بيِّن ، فإذا رأى الشيطان أنّ الشهاب تبعهُ فرّ إلى الأرض هارباً ، أمّا الشهاب فهو جاهز للاشتعال بأدنى احتكاك ، كما أنّ عيدان الثقاب جاهزة للاشتعال ولكن يلزمها احتكاك كي تشتعل . فإذا اقترب أحد الشياطين من السماوات الأثيريّة أشعلت الملائكة أحد الشُهُب القريبة منها بالاحتكاك فيسقط على الشيطان ويتبعهُ فيرجع الشيطان إلى الأرض هارباً . ولا غرابةَ في ذلك فإنّ إنساناً مخلوقاً صنعَ صاروخاً يتبع الطائرة ويلحقها أينما ذهبت حتّى يحرقها .

19 - (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) بالمياه والهواء والمواد الترابية والحجريّة حتى أصبحت صالحة للسكنى (وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) أي جبالاً (وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) أي من كلّ نوع من النبات والأثمار جعلنا لمركباتها أوزاناً دون الأخرى ، يعني إنّ المواد التي يتركّب منها التفاح تختلف بالأوزان عن المواد التي يتكون منها الكمثرى ، وهكذا كل فاكهة لمركباتها من العناصر والمواد الغذائية أوزان خاصة بها تختلف عن الأخرى إذ لو زاد أحد العناصر أو نقص عن وزنه لاختلف الطعم واللون والرائحة . ونظيرها في سورة القمر قوله تعالى {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.

20 - (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا) أي في الأرض (مَعَايِشَ) جمع معيشة (وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) وهو الطفل الرضيع فإنّ الله يرزقه من ثدي أمّه ولستم ترزقونه .

21 - (وَإِن مِّن شَيْءٍ) الذي هو غذاء للنبات وبه ينمو ويتكاثر (إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ) أي إلّا وهو مخزون عندنا في الفضاء أو في الأرض ، وهو المطر ثم النتروجين الذي هو غذاء للنبات "أسمدة" وكذلك غاز ثاني أوكسيد الكاربون هو من أغذية النبات . أمّا الماء فبعضه مخزون في السحاب فينزل مطراً وبعضه مخزون في الجبال وفي جوف الأرض فيخرج من الينابيع ، قال الله تعالى في نفس السورة {فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} .

(وَمَا نُنَزِّلُهُ) هذا المخزون (إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) إذ لو زاد على ما يقتضيه النبات أو نقص لم يتمّ نموّ الزرع ولا يكون فيه ثمر أو لتلفت أثماره بعد نضوجها أو لكانت يابسة غير صالحة للأكل .

22 - (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) للأثمار ، فإذا مرّت الرياح على الأشجار والنباتات حملت معها من طلع الذكور إلى الإناث فتتلقّح وتكون أثماراً ، أمّا تلقيحها للسحاب فإنّها تحمل بطريقها ذرّات التراب فإذا اصطدمت تلك الذرّات بذرّات الثلوج المنتشرة في الفضاء فإنّها تذوب بسبب تلك الذرّات الترابيّة وحرارة الرياح فتكون مطراً (فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ ) أي من الطبقات الغازيّة (مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ) بل نحن خزنّاهُ في الأرض وفي الجبال وفي البحار وأجرينا من ذلك المخزون أنهاراً وينابيع فأسقيناكم من مياهها .

23 - (وَإنَّا لَنَحْنُ ) يعني الله تعالى وملائكته يعملون بأمره (نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ) أموال الناس الأثيريّة منها فتصعد بها الملائكة إلى الجنان .

24 - (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ) للجهاد وقتال المشركين (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) عن القتال فنجازي كلاً على عمله وما يستحقّه . وإنّما قال تعالى "مستقدمين ، مستأخرين" ولم يقل متقدمين ومتأخّرين ، يعني الذي دعاهم النبي إلى الجهاد فتقدّموا ، والمتأخرين دعاهم المنافق عبد الله بن أبيّ إلى ترك الجهاد فتأخروا ، فجاء ذكر الآمر والمأمور في كلٍّ من هاتين الجملتين ، وكان ذلك في غزوة أُحد قال عبد الله بن أُبيّ لأصحابه : ما لنا والقتال ولماذا نقتل أنفسنا فلنرجع إلى المدينة ، فرجعوا من منتصف الطريق .

25 - (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ) أي يجمعهم للحساب في الآخرة (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) .

26 - (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ ) يعني آدم (مِن صَلْصَالٍ ) الصلصال هو الطين المتكوّن من صلصلة الماء ، أي الماء القليل الّذي يبقَى في الحُفَر من مياه الأمطار ، والشاهد على ذلك قول لبيد يصف مياه الأمطار : ولمْ يَتَذَكَّرْ مِنْ بَقِيَّة ِ عَهْدِهِ منَ الحَوْضِ والسُّؤبانِ إلاَّ صَلاصِلا يعني إلاّ قليلاً من الماء في الحُفَر .
وقال جرير يصف الإبل : وإذا قَرُبْنَ خَوامِساً مِنْ صَلْصَلٍ صَبَّحْنَ دُومَةَ والحَصَى لم يَرْمَضِ
ولا تزال هذه الكلمة مُستعملة في العراق إذ يقول الرجل لصاحبهِ : "هل الماء قويّ في الحنفيّة [أو صنبور الماء ] ؟ " فيجيبهُ : "تصلصل أو تصنصل" يعني الماءُ فيها قليل .
ولَمّا اختلط هذا الماء بالرِمم البالية انتنّ وصار طيناً أسود مُنتنّاً ، وذلك قوله تعالى (مِّنْ حَمَإٍ ) أي أسود ،
ومن ذلك قول طَرَفة : أشَجَاكَ الرَّبْعُ أمْ قِدَمُهْ أمْ رَمادٌ دارِسٌ حُمَمُهْ (مَّسْنُونٍ) أي مُنتن ، يعني طين أسود منتنّ .

27 - (وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ) أي من قبل آدم (مِن نَّارِ السَّمُومِ ) يعني من سموم النار ، أي من الغازات الخارجة من النار ، ومِثلها في سورة الرحمن قوله تعالى {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ } يعني من غازات خرجت من النار 2 .

------------------------------------
الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم