كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النحل من الآية( 1) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

1 - في باديء الأمر كان الإسلام ضعيفاً وكان المسلمون يسألون من الله النصر على المشركين ويكررون القول على النبي ، متى يأتينا النصر ، فنزلت :

(أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) أي أتى أمر الله بالنصر لكم على أعدائكم فلا تستعجلوه ، والخطاب للمسلمين وليس للمشركين ، ولذلك قال بعدها (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ) فلو كان الخطاب للمشركين كما ذهب إليه بعض المفسرين لقال "عما تشركون" والمعنى لا تستعجلوا لأنّ في تأجيله منفعة لكم لا تعلمونها . ومثلها في سورة مريم قوله تعالى {فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} .

2 - (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) والمعنى ينزّل الملائكة من السماوات الأثيريّة إلى الأرض بتبعية الروح الأمين جبرائيل الذي هو من مخلوقاته الروحانية ، فكلمة "أمر" كناية كل مخلوق أثيري أي روحاني ، وقوله (عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أن يكون رسولاً ، فيقول الله تعالى للملائكة والرسل (أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) .

3 - (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ) أي بالوعد الحقّ ، وقد سبق تفسير مِثلها في سورة الأنعام (تَعَالَى) الله (عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أي يَجلّ ويعلو عن تلك المخلوقات الحقيرة الّتي عبدوها من دون الله .

4 - (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ ) حتّى أكمل خلقهُ وهيّأ لهُ اللّبن في ثدي اُمّهِ ورعاهُ ورزقهُ وحنّنَ عليهِ أبويهِ حتّى نشأ وكبُرَ ولَمّا صارَ رجُلاً قويّاً (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ ) يُخاصمُ رُسُلنا (مُّبِينٌ) أي ظاهر الخُصومة والعداوة . والنُطفة ماء قليل ،
ومن ذلك قول حسّان بن ثابت : فَعَجَّتْ وَأَلْقَتْ لِلْجَبانِ رَجِيلَةً لأنْظُرَ ما زادُ الكَرِيمِ الْمُسافِرِ إذا فَضلةٌ مِن بَطنِ زِقٍّ ونُطـــفةٌ وقعبٌ صغيرٌ فوق عوجاءَ ضامرِ وجمع نُطفة نِطاف ،
ومن ذلك قول الطُفيل : أَنَخْنَا فَسُمْنَاهَا النِطافَ فَشَارِبٌ قَليلاً وآبٍ صَدّ عن كُلِّ مَشْرَبِ

5 - (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ) يعني في أصوافها وأوبارها تتّخذون ألبسة للدِفء (وَمَنَافِعُ) اُخرى لكم فيها (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ) الجبن والزبد والزيت والخاثر واللّبن .

6 - (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ) أي حُسن منظر تأنسون بهِ (حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ) يعني حين ترجعون بها من المرعى إلى منازلكم مساءً وحين تسرحون بها إلى المرعى صباحاً .

7 - (وَتَحْمِلُ) الإبِل (أَثْقَالَكُمْ) وأمتعتكم (إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ ) يعني إلاّ بالمشقّات والتعب لبُعد المسافة (إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) إذ خلقَ لكم هذه الأنعام وسخّرها لكم .

8 - (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ) خلقَها (لِتَرْكَبُوهَا) في أسفاركم (وَزِينَةً) وقت أعيادكم وأفراحكم (وَيَخْلُقُ) في المستقبل (مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) جنسهُ كالفيل والكركدن وغير ذلك .

9 - (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) . القصد معناه الصلاح والرشاد ، والسبيل هو الطريق ، والمعنى على الله إرشادكم إلى طريق الحق بإرسال الرسل إليكم وعليكم الطاعة والتصديق ، ومن ذلك قول لبيد يمدح آباءه وأجداده الذين ماتوا فيقول :

مَضَوا سَلَفاً قَصدُ السَّبيلِ عَلَيهِمِ ..... بَهِيٌّ مِنَ السُّلاَّفِ لَيسَ بِحَيدَرِ
يعني مضَوا وكانوا مصلحين ومرشدين للناس . وقال طرفة :
وكيف تضلّ القصدَ والحقّ واضحٌ ..... ولِلحقِّ بين الصالحينَ سبيلُ
يقول الشاعر كيف تتعامى عن الرشاد والحق واضح ؟ وقال سراقة :
أبلغْ تميماً غثّها وسمينَها ..... والقولُ يقصِدُ تارةً ويجورُ
يعني تارةً يكون القول على هدَى وتارةً يكون على ضلال . وقال الأعشى :
أجِدَّكَ وَدّعْتَ الصِّبا وَالوَلائِدَا ..... وأصبحتَ بعدَ الجورِ فيهنّ قاصِدا
أي مرشداً .
وهذه الجملة معطوفة على قوله تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) . والمعنى : على الله إرشادكم إلى طريق الحق والصلاح وذلك بإنزال الوحي والكتب السماوية على الأنبياء والرسل لكي يُعلّموكم ويفهموكم ، والقصد من ذلك أن تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً ، فعلى الله بيان السبيل ولكم الاختيار إن أطعتم اهتديتم وإن عصيتم كفرتم . ومثلها في المعنى في سورة الإنسان قوله تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} .
وقوله (وَمِنْهَا جَائِرٌ) يعني ومن السبل التي اتّخذتها الناس سبل ضالة عن طريق الحق . ومن ذلك قول جرير :
يا صاحبيّ سلا هذا الملمَّ بنا ..... أنّى اهتدَى وسوادُ الليل موكومُ
أعامداً جاءَ يَسري طولَ ليلتِهِ ... أم جائرٌ عن طريقِ القصدِ مَهيُومُ
فقول الشاعر هل جاء صاحبي قاصداً إليّ أم ضلّ الطريق فوصل نحوي صدفة ؟ وقال امرؤ القيس :
ومن الطريقة جائرٌ وهدىً ..... قصدُ السبيل ومنهُ ذو دَخَلِ
يعني بعضها ضالّة عن طريق الحق وبعضها هدىً وبعضها غشٌ وخديعة .
(وَلَوْ شَاءَ) الله (لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) ولكن يهدي من كان أهلاً للهداية بحسن أخلاقه وعطفه على الفقراء والمساكين ، ويضلّ من يستحق الضلالة بسبب ظلمه وسوء أخلاقه .

10 - (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً ) يعني المطر (لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ ) تشربونهُ (وَمِنْهُ شَجَرٌ ) أي ومنهُ سقيٌ للشجر والنبات (فِيهِ تُسِيمُونَ ) أنعامكم ، أي ترعَون أنعامكم من غير كلفةٍ والتزام مؤونةٍ لعلفها ، ومن ذلك قول الشاعر : وأَسْكُنُ ما سَكَنَتْ بِبَطْنِ وادٍ وأَظْعَنُ إنْ ظَعَنَتْ فَلا أُسِيْمُ أي فلا أرعى الأنعام .

11 - (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ) أي دلالةً واضحة على خالقٍ خلق هذهِ الأنعام والأشجار والأثمار والنباتات وكلّها لمنافعكم فيجب أن تشكروهُ على هذهِ النِعم الّتي أنعمَ بها عليكم ولا تعبدوا غيرهُ إذ لا يستحقّ العِبادة غير الله الّذي بيّنَ آياتهِ (لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) في هذه المخلوقات فيشكروا خالقها .

------------------------------------
<<السورة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم