كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النحل من الآية( 52) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

52 - (وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) مُلكاً وعبيداً (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ) ، "الوصَب" بفتح الصاد هو المرض وجمعهُ أوصاب ،
ومن ذلك قول الأعشى : تَقولُ بِنْتِي وقدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحَلاً يا رَبِّ جنِّبْ أبِي الأوْصَابَ والوَجَعَا
وقال أيضاً : بانَتْ سُعادُ وَأَمسَى حَبلُها رابا وَأَحدَثَ النَأيُ لي شَوقاً وَأَوصابا و"الوصِب" بكسر الصاد آخِر المرض وآخِر الشِدّة وآخِر التعب ،
ومن ذلك قول أبي الأسود : لا تبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ يَوْما بِذَمّ الدَّهْرِ أجمَعَ وَاصِبَا يعني لا تبتغِ حمداً على عملٍ يحمدوك بهِ اليوم وغداً يذمّوك بهِ ،
وقال مليح : تَنَبَّهْ لِبَرْقٍ آخِرَ اللّيل مُوصِبٍ رَفِيعِ السَّنا يبْدُوْ لَنَا ثُمَّ يَنْضُبُ
وقال حسّان : غَيَّرَتْهُ الرِّيحُ تَسْفِي بِهِ وَهَزِيمٌ رَعْدُهُ واصِبُ يعني رعدهُ مُتأخّر .
فقوله تعالى (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ) أي لهُ الإذعان والانقياد أخيراً ، يعني إن لم يُذعِنوا في الدنيا فسيُذعِنون في الآخرة (أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ ) أي تحذرون ، والمعنى : تحذرون من المخلوقين وتخافونهم ولا تحذرون عِقاب الله وأخيراً تُذعِنون لهُ . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الصافّات {دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ } أي عذابٌ آخَر .

53 - (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) أنعمَ بها عليكم (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) يعني إليهِ تصرخون ولهُ تدعون ليُنقذكم من الشدائد ، والمعنى : وقت الشِدّة تدعون الله وتشكون إليهِ ما بكم من ضُرّ لينقذكم منهُ ولكن وقت الرخاء تنسَونهُ وتعبدون غيره .

54 - (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) فيجعلون لهُ شُركاء في العبادة .

55 - (لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ ) يعني أرادوا بالإشراك نُكران نِعمتنا عليهم ، فقالوا أتتنا هذهِ النِعم بواسطة آلهتنا وببركتها ، فقال الله تعالى (فَتَمَتَّعُواْ) بدنياكم (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) عاقبةَ كفركم وإشراككم بربّكم .

56 - (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ) يعني يجعلون نصيباً لِشركائهم الّتي لا تعلم بفعلهم هذا ولا بالنصيب الّذي جعلوهُ لها (نَصِيبًا) أي حصّةً (مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) من الأنعام والحرث تقرّباً إليها بزعمهم ، كما ذكرها سُبحانهُ في سورة الأنعام ، وكذلك تفعل اليوم أكثر الناس فيجعلون للمشايخ والأئمّة نصيباً من أنعامهم وأملاكهم يوقفونها وقفاً لهم ولقبورهم (تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ) على الله من الأكاذيب بأنّ الله أكرمها وأعطاها الشفاعة فتشفع لكم عند الله بزعمكم

57 - (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ ) بزعمهم ، فقالوا الملائكة بنات الله وهي تشفع لنا عند الله (سُبْحَانَهُ) أي تنزيهاً لهُ عن اتّخاذ البنات (وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ) يعني ويُريدون لهم الأولاد ولا يُريدون البنات .

58 - (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ) بأن ولدت له زوجتهُ بنتاً (ظَلَّ) أي بقيَ (وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) من الخجل ، وهذا مثَل يُضرَب عند العرب في العار والخزي (وَهُوَ كَظِيمٌ ) أي ممتلئ غيظاً وحُزناً بسبب البنت الّتي وُلِدَتْ لهُ .

59 - (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ) أي يختفي عن قومهِ لئلاّ يرَوهُ حياءً منهم وخجلاً (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) يعني يُشاور نفسهُ أيُمسكها في بيتهِ على ذلّ وهوان الّذي أصابهُ بسببها أم يدسّها في التراب فتموت ويرتاح من عارها ، وهذا يُسمّى عندهم "الوأد" الّذي كان من عادة بعض القبائل فيحفرُ حُفرَةً في الأرض ويدفه بنتهُ وهيَ حيّة خوف العار (أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) يعني ساءَ الحُكم حُكمهم هذا بأن يجعلون لأنفسهم ما يشتهون وللهِ ما يكرهون . ثمّ قال تعالى :

60 - (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) أي لهم سواد الوجه والخزي في الآخرة ، وهو المثَل الّذي ضربهُ لهم بقولهِ {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } ، (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ ) وهو العِزّة والسُلطان ، فالمثَل الأعلى الّذي يُضرَب بين الناس في العِزّةِ يقولون "عزيزٌ كأنّه سُلطان" ، (وَهُوَ الْعَزِيزُ ) في سُلطانهِ (الْحَكِيمُ) في خلقهِ .

61 - (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم ) مُعجّلاً لهم العذاب (مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ) أي ما ترك على ظهر الأرض من دابّةٍ تدبّ عليها بل لأهلكهم جميعاً (وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ ) أي يؤخّرُ عِقابهم (إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) يعني إلى وقتِ مماتهم فيُعاقبهم في عالم النفوس (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ ) بالموت (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ) عنهُ (وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) يعني لا يتمكّن أحد أن يؤخّر مماتهم ساعةً واحدة ولا يُقدّمها ساعة .

62 - (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ ) لأنفسهم ، يعني البنات (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) بقولهم (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى ) عند الله ، يعني يقولون لنا العاقبة الحُسنى عند الله ، فقال تعالى ردّاً على قولهم (لاَ جَرَمَ ) أي لا شكّ ولا ريبَ ، وقد سبق معناها في سورة هود (أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ ) في الآخرة (وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ) أي مُتفرّقون مُتشتّتون بالموت لا يدوم شملهم ولا يقوى جمعهم .

63 - (تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا ) رُسُلاً (إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) الباطلة فكذّبوا رُسُلنا وسَخِروا منهم فانتقمنا من الّذينَ كذّبوا (فَهُوَ) أي الشيطان (وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ) في عالم النفوس ، أي يتولّى أمرهم ويحكم عليهم ويذلّهم ، يعني في الدنيا يُغويهم وفي عالم البرزخ يستعبدهم فيخدمونهُ (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يوم القيامة .

64 - (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) يعني القرآن ، وإنّما قال تعالى (الْكِتَابَ) ولم يقل القرآن ، معناهُ أنزلنا عليك ما في الكُتُب السابقة من أحاديث وقصص الاُمَم الماضية (إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) عن الحقّ إلى عبادة الأصنام وكثرة الأوهام في الحلال والحرام وإنكار البعث والحساب ، فالقرآن نورٌ (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم