كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النحل من الآية( 56) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

56 - (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ) يعني يجعلون نصيباً لِشركائهم الّتي لا تعلم بفعلهم هذا ولا بالنصيب الّذي جعلوهُ لها (نَصِيبًا) أي حصّةً (مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) من الأنعام والحرث تقرّباً إليها بزعمهم ، كما ذكرها سُبحانهُ في سورة الأنعام ، وكذلك تفعل اليوم أكثر الناس فيجعلون للمشايخ والأئمّة نصيباً من أنعامهم وأملاكهم يوقفونها وقفاً لهم ولقبورهم (تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ ) على الله من الأكاذيب بأنّ الله أكرمها وأعطاها الشفاعة فتشفع لكم عند الله بزعمكم

57 - (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ ) بزعمهم ، فقالوا الملائكة بنات الله وهي تشفع لنا عند الله (سُبْحَانَهُ) أي تنزيهاً لهُ عن اتّخاذ البنات (وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ ) يعني ويُريدون لهم الأولاد ولا يُريدون البنات .

58 - (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ) بأن ولدت له زوجتهُ بنتاً (ظَلَّ) أي بقيَ (وَجْهُهُ مُسْوَدًّا ) من الخجل ، وهذا مثَل يُضرَب عند العرب في العار والخزي (وَهُوَ كَظِيمٌ ) أي ممتلئ غيظاً وحُزناً بسبب البنت الّتي وُلِدَتْ لهُ .

59 - (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ) أي يختفي عن قومهِ لئلاّ يرَوهُ حياءً منهم وخجلاً (أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) يعني يُشاور نفسهُ أيُمسكها في بيتهِ على ذلّ وهوان الّذي أصابهُ بسببها أم يدسّها في التراب فتموت ويرتاح من عارها ، وهذا يُسمّى عندهم "الوأد" الّذي كان من عادة بعض القبائل فيحفرُ حُفرَةً في الأرض ويدفه بنتهُ وهيَ حيّة خوف العار (أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) يعني ساءَ الحُكم حُكمهم هذا بأن يجعلون لأنفسهم ما يشتهون وللهِ ما يكرهون . ثمّ قال تعالى :

60 - (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) أي لهم سواد الوجه والخزي في الآخرة ، وهو المثَل الّذي ضربهُ لهم بقولهِ {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ } ، (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ ) وهو العِزّة والسُلطان ، فالمثَل الأعلى الّذي يُضرَب بين الناس في العِزّةِ يقولون "عزيزٌ كأنّه سُلطان" ، (وَهُوَ الْعَزِيزُ ) في سُلطانهِ (الْحَكِيمُ) في خلقهِ .

61 - (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم ) مُعجّلاً لهم العذاب (مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ) أي ما ترك على ظهر الأرض من دابّةٍ تدبّ عليها بل لأهلكهم جميعاً (وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ ) أي يؤخّرُ عِقابهم (إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ) يعني إلى وقتِ مماتهم فيُعاقبهم في عالم النفوس (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ ) بالموت (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ) عنهُ (وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) يعني لا يتمكّن أحد أن يؤخّر مماتهم ساعةً واحدة ولا يُقدّمها ساعة .

62 - (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ ) لأنفسهم ، يعني البنات (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ ) بقولهم (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى ) عند الله ، يعني يقولون لنا العاقبة الحُسنى عند الله ، فقال تعالى ردّاً على قولهم (لاَ جَرَمَ ) أي لا شكّ ولا ريبَ ، وقد سبق معناها في سورة هود (أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ ) في الآخرة (وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ) أي مُتفرّقون مُتشتّتون بالموت لا يدوم شملهم ولا يقوى جمعهم .

63 - (تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا ) رُسُلاً (إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) الباطلة فكذّبوا رُسُلنا وسَخِروا منهم فانتقمنا من الّذينَ كذّبوا (فَهُوَ) أي الشيطان (وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ) في عالم النفوس ، أي يتولّى أمرهم ويحكم عليهم ويذلّهم ، يعني في الدنيا يُغويهم وفي عالم البرزخ يستعبدهم فيخدمونهُ (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يوم القيامة .

64 - (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) يعني القرآن ، وإنّما قال تعالى (الْكِتَابَ) ولم يقل القرآن ، معناهُ أنزلنا عليك ما في الكُتُب السابقة من أحاديث وقصص الاُمَم الماضية (إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) عن الحقّ إلى عبادة الأصنام وكثرة الأوهام في الحلال والحرام وإنكار البعث والحساب ، فالقرآن نورٌ (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .

65 - (وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ ) بالنبات وكثرة الخُضر (بَعْدَ مَوْتِهَا ) بالجدب (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) ويعقلون .

66 - (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ) أي عِظةً ودلالة على قدرة الله تعالى (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا ) لم يُخالطهُ فرث ولا دم ، لأنّ العلف الّذي تأكله الأنعام يتكوّن منهُ الدم واللّبن والباقي يكون فرثاً (روث) ، فإنّ الله تعالى لم يقصد بقوله (مِن بَيْنِ ) المكان الواقع بين الفرث والدم ، ولكن هذا مثَل يُضرَب للقدرةِ والاستطاعة ، تقول العرب "من بين المئات نجحتُ أنا" ، و"من بين الناس رأيتُ الهلال وحدي" ، والمعنى : كانت ليَ الاستطاعة على النجاح فنجحتُ ورأيتُ . فقوله تعالى (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) ، يعني إنّ الغذاء يتكوّن منه الدم والباقي يكون فرثاً ، ولكن بقدرتنا واستطاعتنا أنشأنا منهما نوعاً آخر وهو اللّبن ، وذلك بأن صنعنا جهازاً آخر لتكوين اللّبن في ضرع الاُنثى من الأنعام وغيرها فأسقيناكموهُ (سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ) أي طيّباً وهنيئاً للشاربين ، والشاهد على ذلك قول النابغة الذبياني : وساغَ لِيَ الشَّرابُ وكُنْتُ قَبْلاً أكادُ أغصُّ بِالماءِ الحَمِيمِ وإنّما جاءَ على التذكير قوله تعالى (مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ) ولم يأتِ على التأنيث ، أرادَ بذلك الضرع وهو إسمٌ مذكّر ، والمعنى : نسقيكم مِمّا في بطن الضرع ، لأنّ اللّبن ليس مكانه في بطن الأنعام بل في ضرعها ولذلك جاء اللّفظ على التذكير .

67 - ثمّ عدّد سبحانه نِعمةً اُخرى فقال (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ) وهو الدبس من التمر ، فبعضهُ يُصنَع من التمر وبعضهُ يُصنَع من العنب ، وسكّر الكلوكوز من العنب (وَرِزْقًا حَسَنًا ) أي وتتّخذون منهما رزقاً حسناً ، وذلك كالحلوَى والمربّيات ، فيُصنَع من الدبس والراشي (السمسم المطحون) حلوى راشيّة ، ويُصنَع من الدبس واللّيمون الحامض مُربّى ، ويُصنَع من الدبس وجريش الشعير سويق ، ويُصنَع من الدبس أو التمر الخلّ والطُرشي . هذا بعض ما يُصنَع ويُتّخَذ من تمر النخيل ، أمّا الأعناب وباقي الأثمار ففي ذكر فوائدها من حلويّات ومشروبات ومربّيات كتابٌ خاصّ لها لا يسعنا الشرح عنها هُنا (إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الّذي تتّخذونهُ من حلويّات ومربّيات ومشروبات (لآيَةً) أي لعلامة واضحة على أنّ لها خالقاً خلقَ هذهِ الأثمار وصانعاً صنعها وحكيماً أتقنَ صناعتها ، كما أنّ الحلويّات والمربّيات والمشروبات لم تأتِ بالصِدفة ولا كوّنتها الطبيعة لو لم تصنعوها بأيديكم ، ثمّ لو لم يقُمْ بصناعتها اُناسٌ لهم خِبرة بالعمل لاحترقت تلك الحلويّات وتلفت المربّيات وفسدت المشروبات ، فكذلك خالقُ الخلق لو لم يُتقِنْ صُنعها لفسدت الحياة وماتت المخلوقات ولم يبقَ حيّ على وجه الأرض ، إنّ في ذلك لآياتٍ (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي لقومٍ يستعملون عُقولهم فيُفكّروا في هذه المخلوقات ويشكروا الله خالقها .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم