كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النحل من الآية( 64) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

64 - (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) يعني القرآن ، وإنّما قال تعالى (الْكِتَابَ) ولم يقل القرآن ، معناهُ أنزلنا عليك ما في الكُتُب السابقة من أحاديث وقصص الاُمَم الماضية (إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) عن الحقّ إلى عبادة الأصنام وكثرة الأوهام في الحلال والحرام وإنكار البعث والحساب ، فالقرآن نورٌ (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) .

65 - (وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ ) بالنبات وكثرة الخُضر (بَعْدَ مَوْتِهَا ) بالجدب (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ) ويعقلون .

66 - (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ) أي عِظةً ودلالة على قدرة الله تعالى (نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا ) لم يُخالطهُ فرث ولا دم ، لأنّ العلف الّذي تأكله الأنعام يتكوّن منهُ الدم واللّبن والباقي يكون فرثاً (روث) ، فإنّ الله تعالى لم يقصد بقوله (مِن بَيْنِ ) المكان الواقع بين الفرث والدم ، ولكن هذا مثَل يُضرَب للقدرةِ والاستطاعة ، تقول العرب "من بين المئات نجحتُ أنا" ، و"من بين الناس رأيتُ الهلال وحدي" ، والمعنى : كانت ليَ الاستطاعة على النجاح فنجحتُ ورأيتُ . فقوله تعالى (مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ) ، يعني إنّ الغذاء يتكوّن منه الدم والباقي يكون فرثاً ، ولكن بقدرتنا واستطاعتنا أنشأنا منهما نوعاً آخر وهو اللّبن ، وذلك بأن صنعنا جهازاً آخر لتكوين اللّبن في ضرع الاُنثى من الأنعام وغيرها فأسقيناكموهُ (سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ) أي طيّباً وهنيئاً للشاربين ، والشاهد على ذلك قول النابغة الذبياني : وساغَ لِيَ الشَّرابُ وكُنْتُ قَبْلاً أكادُ أغصُّ بِالماءِ الحَمِيمِ وإنّما جاءَ على التذكير قوله تعالى (مِّمَّا فِي بُطُونِهِ ) ولم يأتِ على التأنيث ، أرادَ بذلك الضرع وهو إسمٌ مذكّر ، والمعنى : نسقيكم مِمّا في بطن الضرع ، لأنّ اللّبن ليس مكانه في بطن الأنعام بل في ضرعها ولذلك جاء اللّفظ على التذكير .

67 - ثمّ عدّد سبحانه نِعمةً اُخرى فقال (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا ) وهو الدبس من التمر ، فبعضهُ يُصنَع من التمر وبعضهُ يُصنَع من العنب ، وسكّر الكلوكوز من العنب (وَرِزْقًا حَسَنًا ) أي وتتّخذون منهما رزقاً حسناً ، وذلك كالحلوَى والمربّيات ، فيُصنَع من الدبس والراشي (السمسم المطحون) حلوى راشيّة ، ويُصنَع من الدبس واللّيمون الحامض مُربّى ، ويُصنَع من الدبس وجريش الشعير سويق ، ويُصنَع من الدبس أو التمر الخلّ والطُرشي . هذا بعض ما يُصنَع ويُتّخَذ من تمر النخيل ، أمّا الأعناب وباقي الأثمار ففي ذكر فوائدها من حلويّات ومشروبات ومربّيات كتابٌ خاصّ لها لا يسعنا الشرح عنها هُنا (إِنَّ فِي ذَلِكَ ) الّذي تتّخذونهُ من حلويّات ومربّيات ومشروبات (لآيَةً) أي لعلامة واضحة على أنّ لها خالقاً خلقَ هذهِ الأثمار وصانعاً صنعها وحكيماً أتقنَ صناعتها ، كما أنّ الحلويّات والمربّيات والمشروبات لم تأتِ بالصِدفة ولا كوّنتها الطبيعة لو لم تصنعوها بأيديكم ، ثمّ لو لم يقُمْ بصناعتها اُناسٌ لهم خِبرة بالعمل لاحترقت تلك الحلويّات وتلفت المربّيات وفسدت المشروبات ، فكذلك خالقُ الخلق لو لم يُتقِنْ صُنعها لفسدت الحياة وماتت المخلوقات ولم يبقَ حيّ على وجه الأرض ، إنّ في ذلك لآياتٍ (لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي لقومٍ يستعملون عُقولهم فيُفكّروا في هذه المخلوقات ويشكروا الله خالقها .

68 - (وَأَوْحَى رَبُّكَ ) بالغريزةِ والفطرة (إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ) للسُكنى ولإنتاج العسل (وَمِنَ الشَّجَرِ ) بيوتاً (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) إتّخذي بيوتاً أيضاً ، العرش سقفُ البيت ، والعريش ألواح يوضَع فوقها الكرم (سيباط) ، والمعنى : ومن البيوت الّتي يصنعونها لكِ ويُعلّقونها في عُروشهم .

69 - (ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ) أي من أنواع الثمرات (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ) أي فاسلُكي طُرُقَ ربّكِ الّتي سنّها لكِ ، أراد بذلك الغريزة (ذُلُلاً) أي مُطيعةً منقادةً للغريزة الّتي جعلها الله فيكِ لا تملّي عن العمل (يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ ) هو العسل (مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) فبعضهُ أبيض وبعضه أحمر كالدبس (فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ ) من بعض الأمراض (إِنَّ فِي ذَلِكَ ) النحل والعسل وبيوتها المسَدّسة الشكل (لآيَةً) تدلّ على خالقٍ خلقها وحكيم ألهمها فيجب عليكم أن تعبدوهُ وتشكروهُ على هذهِ النِعم ، وهذه آية (لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) . من فوائد العسل أذكرُ لك ما جاء في مجلّة منار الإسلام العدد الأوّل للسنة الثانية ، مقال للدكتور عبد الرزّاق نوفل تحت عنوان "شراب النحل" ، قال : "وبتقدّم العلوم الطبيعيّة وباتّساع رقعة البحث في عديد من الدول والأمصار عُرِفَ أن عسل النحل يختلف لونهُ باختلاف مراعي النحل من الأزهار وأنّه يأخذ ألوان الطيف الضوئي تبعاً لذلك ، ويتدرّج من الأبيض بكافّةِ درجاتهِ والأصفر بكلّ تركيزاتهِ حتّى الأحمر بكلّ طبقاتهِ ، بل وأصبح يُعرَف غذاء النحل بلون ما يفرزهُ من عسل ، ولاشكّ أنّه ما كان لعِلم رسول الله أن يصلَ إلى معرفة هذهِ الحقيقة المشاهَدة بالتجوّل في عديد من الدول الزراعيّة والدراسة في العلوم التطبيقيّة وهو الّذي نشأ في صحراء بلاد العرب ، لا يغادر هذه المنطقة الّتي لا تختلف فيها الزراعات اختلافاً يُلمس ، وهو كذلك الاُمّي الّذي لا يقرأ ولا يكتب لولا ما ذكرهُ ربّ العِزّة في كتابهِ الكريم ، وبتقدّم علوم الصحّة والطبّ والغذاء عُرِفَ أنّ عسل النحل فيهِ شفاء للناس ، فيقرّر العلم الحديث أنّ عسل النحل هو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض واستعماله في ازدياد مُستمرّ بتقدّم الطبّ فهو يُعطَى بالفم وبالحقن بكافّةِ أنواعها ، ويُعطى بصفتهِ مقويّاً ومعذّياً فيساعد الجسم على الشفاء ، ويُعطَى ضدّ التسمّم الناشئ من موادّ خارجيّة مثل الزرنيخ والزئبق والكلوروفورم وكذلك ضدّ التسمّم الناشئ من أمراض أعضاء الجسم مثل التسمّم البولي الناتج عن أمراض الكبد والمعدة والأمعاء وفي الحمّيات والحصبة والالتهاب الرئوي والسحائي وفي الارتشاحات العموميّة الناتجة من التهاب الكلَى وفي احتقان المخّ والأورام المخّية بل إنّه يُستعمَل في حالات مرض البول السُكّري . الشفاء بالعسل : ومازال علم الطبّ يكتشف كلّ يوم الجديد في شفاء الناس بالعسل وآخِر ذلك ما أعلنهُ أحد كبار الجرّاحين في إنجلترا من أنّه استخدمَ عسل النحل لتغطية آثار الجروح الناتجة من العمليّات الجراحيّة الّتي يُجريها بعد أن ثبتَ أنّه يُساعد على التئام الجروح بسرعة ولا تترك آثاراً مكان الجرح وأنّ بالعسل مادّة تساعد على نموّ الأنسجة البشريّة من جديد فتلتئم الجروح بطريقةٍ مستوية وهذا أيضاً يؤيّد نبوّةَ رسول الله (ع) فمِن أين لهُ بكلّ هذا العلم الّذي لم يصل إليهِ العلم إلاّ أخيراً وبعد استخدام وسائل الفحص وأجهزة البحث والتحليل . ولكن لم يتساءل المسلمون لماذا أطلق القرآن الكريم لفظ "شراب" على ما يخرج من بطون النحل ، ولم يذكر أنّه العسل بالرغم من أنّ العسل جاء ذكرهُ نصّاً واضحاً ولفظاً صريحاً في سورة محمد (ع) وذلك قوله تعالى {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } ، ولو اجتهدوا في البحث لوصلوا إلى الحقائق العلميّة الّتي أفصحَ عنها التقدّم العلمي الحديث فإن إبراز القرآن الكريم للفظ "شراب" إنّما قصدَ بهِ ألاّ يقتصر البحث على العسل وإلاّ لأوردَ لفظهُ ، ويُقرّر العلم حاليّاً أنّ النحل يخرج من بطونه أشربة مُتعدّدة فيها شفاء للناس ، ومن هذه الأشربة "الغذاء الملكي" ، وهو ليس بعسل يفرزه النحل من بطونهِ ، وله قدرة على الشفاء تزيد على قدرة العسل عشرات المرّات ، ووجد أيضاً أنّ النحل يخرج من بطونهِ شراب آخَر هو "سمّ النحل" الّذي يُفرَز عن طريق آلة اللّسع ، وهذا السمّ يُستعمَل في علاج عديد من الأمراض المستعصية كالروماتزم واللمباجو وعرق النسا وآلام المفاصل لا سيّما تصلّبها والتهابها . ومن عجب أنّ مُستشفيات أمريكا وأوربا وروسيا لجأت إلى العلاج بسمّ النحل بطرقهِ الطبيعي أي عن طريق لسع النحل لمكان مرض الإنسان ، وأعلنَ مؤتمر علماء النحل منذُ بضعة أشهر عن اكتشاف جديد هو أنّه يخرج من بطون النحل شراب لم يُعرَف من قبل هو "لبن النحل" الّذي لا يزيد على بضع قطرات على فترات مُتتابعة ، وأنّ هذا اللّبن قد يُحقّق حلم البشريّة في وجود مادّة تُطيل العُمر إذ أنّ لهذا اللّبن قدرة كاملة وسريعة وقاطعة في إبادة الجراثيم والميكروبات والفِطر . وهكذا يورد القرآن الكريم في لفظهِ الدقيق أنّه يخرج من بطون النحل شرابٌ مختلفٌ ألوانهُ فإذا كان اللّون هو لون الطيف الضوئي فإنّ العسل يخرج بألوان الطيف كلّها ، وإن كان اللّون هو الشكل والهيئة فإنّ الشراب الّذي يخرج من بطن النحل مختلف الشكل والهيئة فِعلاً لأنّه عسل وغذاء ملكي وسم ولبن غير الشمع وخاصّيّتهِ العلاجيّة لا تحتاج إلى إيضاح . لقد جمع لفظ واحد في القرآن الكريم من الإبداع ما يعجز الناس . ومن فوائد العسل إذا حدث لأحدٍ شهيق دائم (وهو صوت يصدر من الصدر مُتلاحق3 ) يأكل قليلاً من العسل يبطل الشهيق ويرتاح .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم