كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة النحل من الآية( 84) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

84 - (وَيَوْمَ) القيامة (نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ) يشهد عليهم بكفرهم وإشراكهم ، والشاهد هو رسُولهم والملائكة الحَفَظَة أيضاً تشهد عليهم (ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ) بالكلام ، أي لا يستمعون لهم ليعتذروا (وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) أي لا يُسترضَون ولا يُستَصلَحون ، يعني لا يُطلَب منهم أن يُصلِحوا أعمالهم هناك لأنّ الآخرة ليست بدار تكليف بل دار حساب وعقاب ،
ومن ذلك قول حسين بن الضحّاك : غَضِبَتْ أَنْ زُرْتُ اُخرى خِلْسَةً فَلَهَا العُتْبَى لَدَيْنَا والرِّضَا يا فَدَتْكِ النَّفْسُ كانَتْ هَفْوَةً فَاغْفِرِيْهَا واصْفَحِي عَمَّا مَضَى

85 - (وَإِذَا رَأى الّذينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ ) ندِموا وعضّوا على أيديهم وتمنّوا لو كانوا مُسلمين (فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) العذاب (وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) يعني ولا يُمهَلون إلى وقتٍ آخر .

86 - (وَإِذَا رَأى الّذينَ أَشْرَكُواْ شُرَكَاءهُمْ ) الّذينَ كانوا يعبدونهم في الدنيا كالملائكة والمسيح والمشايخ (قَالُواْ) المشركون (رَبَّنَا هَـؤُلاء شُرَكَآؤُنَا الّذينَ كُنَّا نَدْعُوْ مِن دُونِكَ ) في دار الدنيا (فَألْقَوْا) الملائكة والمشايخ والأئمّة (إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ ) أي ردّوا عليهم القول فقالوا (إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ) فيما تقولون فإنّنا لم ندعُكم إلى عبادتنا ولم نأمركم بتقديس قبورنا بل أمرناكم بعبادةِ ربّكم وحدهُ وأكّدنا لكم على ذلك ولكنّكم غيّرتم دِينكم وبدّلتم بهوى أنفسكم فلا تتّهمونا بجرائمكم .

87 - (وَأَلْقَوْاْ) المشركون (إِلَى اللّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ) أي استسلموا لحُكم الله ومشيئتهِ وانقادوا للعذاب قسراً لا اختياراً (وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) أي ذهبَ عنهم ماكانوا يفترون من الأكاذيب بأنّ شركاءهم يشفعون لهم عند الله فذهبوا عنهم ولم يشفعوا لهم .

88 - (الّذينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ ) الناس (عَن سَبِيلِ اللّهِ ) أي عن طريقهِ ودينهِ (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا ) بعد موتهم (فَوْقَ الْعَذَابِ ) الّذي أصابهم في الدنيا (بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) ويصدّون عن دين الإسلام .

89 - (وَيَوْمَ) القيامة (نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم ) وهو رسولهم الّذي كذّبوهُ وآذَوهُ (مِّنْ أَنفُسِهِمْ ) أي من قومهم ولسانهم (وَجِئْنَا بِكَ ) يا محمّد (شَهِيدًا) تشهد (عَلَى هَـؤُلاء ) المشركين بما عملوا معك من الأذى والتكذيب والسخرية (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) أي القرآن (تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) من أمر الدين (وَهُدًى) لمن يهتدي بهِ (وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) بدخول الجنّة لمن تمسّكَ بالقرآن وعملَ بأحكامهِ ولم يُشرك بعبادة ربّهِ .

90 - (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) في الحُكم بين المتخاصمين (وَالإِحْسَانِ) مع الناس وخاصّةً الوالدَين والضعفاء والمحتاجين (وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى ) أي ويأمركم بإعطاء الفقراء من أقاربكم من المال قدر تمكينكم (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء ) أي عن الزِنا واللّواط (وَالْمُنكَرِ) وهو كلّ شيء ينكرهُ الشرع من المعاصي (وَالْبَغْيِ) أي ينهَى عن الظُلم للناس باغتصاب حقوقهم (يَعِظُكُمْ) بهذهِ المواعظ (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أي لكي تتّعِظوا وتتجنّبوا المعاصي والقبائح .

91 - جاء بعض المشركين إلى من آمن منهم وقالوا لهم نحن أكثر أموالاً وعدداً وعدّة من المؤمنين فلا تقتلوا أنفسكم باتباعكم محمداً ؛ أتركوه وارجعوا إلينا إلى دين أبائكم وأجدادكم . فأراد بعضهم أن يرجع إلى المشركين فنزلت هذه الآية والخطاب للمسلمين (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ) والعهد هو البيعة لرسول الله (وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ) يعني أيمان البيعة (بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) أي بعد توثيقها بإسم الله (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) أي شاهداً ورقيباً (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) من نقض العهد أو الوفاء به .

92 - (وَلَا تَكُونُوا) في نقض العهد والأيمان (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) هي دودة القز تغزل القز وتنسجه حولها ثم تنام ، فإذا استيقظت من سباتها أخذت تقرضه وتقطّعه حتى يكون أنكاثاً فتخرج منه وتطير ، ولكن أصحاب إنتاج القز يضعونها في ماء ساخن قبل أن تقطِّع القز فتموت ويبقى القز سالماً بلا تقطيع . والمعنى : لا تنقضوا عهودكم أيها المسلمون التي عاهدتم النبي عليها فتذهب أتعابكم وأعمالكم أدراج الرياح وتخسرون كما خسرت دودة القز غزلها حين قطّعته (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) أي خيانة ومكراً لأجل (أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ) يعني لأنّ المشركين أكثر منكم مالاً وعدداً وعدّة (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) يعني إنّما يختبركم الله بالعهد والوفاء به فيرى هل تفون بما عاهدتم النبي عليه أم تنقضون العهد (وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) من أمر دينكم وعقائدكم التي كنتم عليها في الدنيا .

93 - (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ ) أيّها الناس (أُمَّةً وَاحِدَةً ) مُسلمة موحّدة (وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء ) أي يُضلّ من يستحقّ الضلالة بسوء أعمالهِ وخُبثِ نواياهُ مع الناس ، ويهدي من كان أهلاً للهداية بسبب حُسن أخلاقهِ وعطفهِ على الضعفاء والمساكين (وَلَتُسْأَلُنَّ) أيّها الناس (عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) فالكافر يُسأل سؤال توبيخ وتقريع ، والمؤمن يُسأل سؤال مُحاكمة

94 - ثمّ خاطبَ المسلمين الّذينَ خدعَهم المشركون فأرادوا إرجاعهم إلى دِين الكفر والإشراك فقال تعالى (وَلاَ تَتَّخِذُواْ أَيْمَانَكُمْ ) جمع يمين وهو الحِلف بالله (دَخَلاً بَيْنَكُمْ ) أي خديعة بينكم فتحلفون كاذبين وتُظهرون غير ما تُبطنون (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ) هذا مثَل يُضرَب في من يحيد عن طريق الحقّ ، ومعناهُ فتضلّوا عن الرُشد بعد أن كنتم على هُدىً (وَتَذُوقُواْ الْسُّوءَ ) أي العقاب (بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) أي بسبب رجوعكم عن دين الله (وَلَكُمْ) في الآخِرة (عَذَابٌ عَظِيمٌ ) . ومُلخّص الآية يقول الله تعالى لا تحلفوا بالله كاذبين لأنّ اليمين الكاذبة تورث النفاق في القلب ، والنفاق يورث الكفر فتخسروا دِينكم ويكون مصيركم في الآخرة إلى النار .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم