كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الإسراء من الآية( 21) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

21 - (انظُرْ) يا محمّد (كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) بالرزق ، فجعلنا بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء وبعضهم موالي وبعضهم عبيداً ، كذلك في الآخرة (وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ ) للمؤمنين (وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) من مراتب الدنيا ، فينبغي أن تكون رغبتهم في الآخرة وسعيهم لها أكثر مِمّا يسعَون لدنياهم لينالوا الدرجات الرفيعة والمقام المحمود في الجنان العالية .

22 - (لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهًا آخَرَ ) أيّها الإنسان (فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا ) في الآخرة بين النفوس (مَّخْذُولاً) بين الشياطين . قال الله تعالى في سورة الفرقان {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا } ، يعني : تبقَى حقيراً ذليلاً لا مُساعد لك ولا ناصر ينصرك ويُخلّصك من عذاب الله .

23 - (وَقَضَى رَبُّكَ ) أي وحكم ربّك حُكماً قطعيّاً ،
ومن ذلك قول عنترة : جارُوا فَحَكَّمْنا الصَّوارِمَ بَيْنَنا فَقَضَتْ وأَطْرافُ الرِّماحِ شُهُودُ
(أَلاَّ تَعْبُدُواْ ) أحداً (إِلاَّ إِيَّاهُ ) وحدهُ ، يعني لا تعبدوا غيرهُ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) يعني وحكم أيضاً أن تُحسِنوا مع الوالدينِ إحساناً (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ ) يعني كبر السنّ بطول العُمر (أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ ) وهي كلمة تضجّر ، والمعنى : لا تؤذِهِما بقليل ولا بكثير ولا بالكلام (وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ) أي ولا تزجرهما بكلمةٍ غليظة ولا صياح (وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ) أي وخاطبهما بكلامٍ رقيق جميل بتأدّب يكون فيهِ كرامة لهما .

24 - (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) أي وبالغ في التواضع والخضوع لهما قولاً وفعلاً بِرّاً بهما وشفقةً عليهما (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) يعني اُدعُ لهما بالمغفرة والرحمة في حياتهما وبعد مماتهما جزاءً لتربيتهما إيّاك .

25 - (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ) أي بما تضمرونهُ من البِرّ لهما أو العُقوق (إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ ) في أعمالكم طائعين لله فيما أمركم (فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ) أي للتائبين النادمين الراجعين إلى بِرّ الوالدَين غفوراً ، فالأوّابين يعني الراجعين ،
ومن ذلك قول كعب بن سعد : بِعَيْنّي أَوْ يُمَنَى يَدَيّ وقِيْلَ لِي هُوَ الغَانِمُ الجَذْلاَنُ يَوْمَ يَؤُوْبُ يعني حين يرجعُ .

26 - (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) يعني أعطِ الفقراء من أقربائك حقّهم من الغنيمة والفَيء ، وذلك من قوله تعالى في سورة الأنفال {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى } ، (وَالْمِسْكِينَ) أي وأعطِ الفقير حقّهُ الّذي أوجبهُ الله لهُ من الزكاة (وَابْنَ السَّبِيلِ) أي المسافر المنقطع أيضاً أعطِهِ حقّهُ (وَلاَ تُبَذِّرْ ) المال (تَبْذِيرًا) في الأرض . "التبذير" هو المال الّذي يتلف ويذهب فلا يستفيد منهُ أحد ، و"الإسراف" في الشيء تبذير ، والمال الّذي يُنفق في الباطل والحرام تبذير ومعصية .

27 - (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ) يعني الّذينَ أنفقوا أموالهم في الباطل والمحرّمات هم إخوان الشياطين لأنّهم امتثلوا أمرهم وأتلفوا أموالهم في المحرّمات (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) أي مُنكِراً للجميل لأنّ الله أعطاهُ منزلَةً في الجنّة وقرّبهُ فلم يشكر الله على تلك المنزلة بل تكبّر على الملائكة ولَمّا أمرهُ بالسجود لآدم امتنعَ وعصَى ، فكذلك الّذينَ يُنفقونَ أموالهم في معصية الله فبدل أن يشكروهُ على نعمائهِ يعصونهُ .

28 - (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ) يعني وإن تُعرضْ عن هؤلاء الّذينَ أمرتك بإيتاء حقوقهم لأنّك تريد أن تسافر إلى الحجّ ولا يمكنك أن تعطيهم من نقودك لأنّها قليلة ، وذلك قوله تعالى (ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا ) أي تريد أن تذهب إلى الحجّ لطلب المغفرة والرحمة (فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ) أي عِدهم وعداً حسناً فقل عند رجوعي من مكّة أعطيكم ما أتمكّن عليهِ من المال إن شاء الله .

29 - كانت للنبيّ (ع) جُبّة لابسها فأتاهُ رجل فقير يسأل لباساً فنزعَ جُبّتهُ وأعطاها للسائل فأصابهُ البرد إذ كان الوقتُ شتاءً ، فنزلت عليهِ هذه الآية (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ) . هذا مثَل يُضرَب عند العرب فيقولون لمن كان بخيلاً "يدهُ مغلولة" ، ولمن كان كريماً "يدهُ مبسوطة" ،
والشاهد على ذلك قول الخنساء : حَسيبٌ يُنالُ المجدُ منهُ ببسْطةٍ ويعجُزُ عن إفضالهِ كلّ شَيْظَمِ
وقال جرير : وباسِطُ خَيرٍ فيكُمُ بِيَمينِهِ وقابضُ شرٍّ عنكُمُ بِشِمالِهِ والمعنى : لا تكنْ بخيلاً ولا تكنْ مُسرفاً بل كن مُتَوسّطاً بين هذا وذاك ، وهو الاقتصاد
(فَتَقْعُدَ مَلُومًا ) عند الناس لأنّك أعطيتَ جُبّتك ولم يكن عندك غيرها فأصابك البرد (مَّحْسُورًا) من اللّباس ، أي عارياً .

30 - (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ ) يعني يوسّع مرّةً ويُضيّقُ اُخرى ليختبرهم هل يشكرون على السِعةِ ويصبرون على التقتير أم يكفرون (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) أي عالماً بأحوالهم بصيراً بمصالحهم فيبسط الرزق على بعضهم ويُضيّقُ على آخرين على ما يراهُ من الصلاح .

31 - كان بعض الناس في زمن الجاهليّة إذا وُلِدَت لهُ بنتٌ قتلها خوف العار ، وكان بعض الفقراء يقتلها لئلاّ تزداد عائلته فلا يتمكّن أن يُعيلهم ، أو يقتل الجنين الّذي في بطن زوجتهِ بإسقاطهِ قبل إكمال شهوره . ولا غرابة من ذلك ففي عصرنا كثيرٌ من الناس يُسقطون جنينهم قبل ولادتهِ لغاياتٍ شتّى ، وكان بعضهم يقتل أولاد الناس إذا اختلى بأحدهم ويسلب ما عنده من مال أو أدوات الزينة المصنوعة من الذهب أو الفضّة ، وهذا معنى قوله تعالى (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ) أي خوف الفقر ،
ومن ذلك قول الشاعر : وَإِنِّي عَلَى الْإِمْلَاقِ يَا قَوْمِ مَاجِدٌ أُعِدُّ لِأَضْيَافِي الشِّوَاءَ الْمُضَهَّبَا وكلمة " أولاد" تُطلق على كلّ مولود سواء ذكراً كان أم اُنثى
(نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ) يعني نحنُ نرزقهم وليس أنتم فلماذا تقتلونهم (إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا ) أي ذنباً عظيماً .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم