كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الإسراء من الآية( 62) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

62 - (قَالَ) إبليس (أَرَأَيْتَكَ) ياربّ (هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) أي الّذي فضّلتهُ عليّ وأمرتني بالسجود لهُ ، ومعناهُ أخبرني لأيّ سبب كرّمتَ آدم عليّ قبل أن يعبدك وقبل أن تصدر منهُ خِدمة في سبيلك ، وأنا عبدتك مئات السنين فرضيتَ عنّي وأدخلتني جنّاتك وجعلتني رئيساً على الملائكة فلماذا تطردني الآن ؟ (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ) أي لأستأصِلنّ (ذُرِّيَّتَهُ) بالإغواء (إَلاَّ قَلِيلاً ) منهم ، وهم المخلصون لله في العبادة . و"الاحتناك" معناهُ الاقتطاع من الأصل ، يُقال "إحتنكَ الجرادُ الزرعَ " إذا أكلهُ كلّهُ .

63 - (قَالَ) الله تعالى (اذْهَبْ) من الجنان الأثيريّة إلى الأرض (فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) أي من أولاد آدم (فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا ) أي يزداد لكم العذاب فيها حيناً بعد حين ، و"الوفرة" معناها الكثرة .

64 - قال الله تعالى لإبليس (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ) أي خوّفهم بصوتك وأزعجهم بمنظرك وخيلك . والشاهد على ذلك قول علقمة :

فقلتُ لها فيئي فما تستفزّني ..... ذواتُ العيونِ والبنانِ المخضّبِ
يقول الشاعر لا يزعجني مهما فعلن معي من مكروه . وهذا الاستفزاز يكون حين موت الكافر والمشرك تأتي إليه الشياطين فيصرخون به ويخوّفونه ويربطونه بسلاسل ويأخذونه معهم فيبقى في عالم النفوس تحت سلطتهم فيكون خادماً للشياطين منقاداً لأوامرهم ، هذا إن كان ذلك الكافر جباناً ، أمّا إذا كان شجاعاً لا يرهب الثلاثة والأربعة فيأتيه جمعٌ من الشياطين بأسلحتهم وخليهم فيصرخون به ويرهبونه فينقاد لهم ويذهب معهم فيكون خادماً عندهم . وذلك قوله تعالى (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) أي بخيّالتك ورجّالتك ، يعني الخيّالة والمشاة ، ومن ذلك قول امرئ القيس :
فَليَأتِ وَسْطَ قِبابِه بَلَقِي ..... ولْيَأْتِ وَسْطَ خَمِيسِه رَجْلِي
فالجيش يسمى قديماً خميس ، وقوله "رَجْلي" أي جيشي من الرجّالة وهم المشاة .
وقوله تعالى (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) أي في عالم النفوس يشاركهم بذلك . وقد قلتُ فيما سبق وفي كتابي الإنسان بعد الموت أنّ كلّ شيء مادي يتكوّن داخله هيكل أثيري مثله ، فإذا تحطم المادي فإنّ الأثيري يبقى لا يتحطم ، وبعبارة أخرى كلّ شيء له روح حتى الأشجار والأثمار والأواني والأسّرة وغير ذلك ، فمن جملة الأموال التي يشاركهم بها الشيطان هي الخيل ، فإن كان لأحد من المشركين أو الكافرين خيلٌ ثمّ ماتت فإنّ الشياطين تأخذ أرواحها وتركبها ، وكذلك الأثاث والمتاع الذي تتركه الملائكة لرداءته ولا تأخذه إلى الجنان تستولي عليه الشياطين . أما مشاركتهم في الأولاد فإنّهم يأخذون أولاد الكافرين الذين بلغوا الرشد بعد موتهم ليخدموهم في عالم النفوس ، أمّا الأولاد الصغار الذين لم يبلغوا الرشد فيكونون خدماً لأهل الجنة .
(وَعِدْهُمْ) في الدنيا بما يشتهون (وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) . وإنّما لا نراهم لإنّهم أثيريون ، ولا نسمع أصواتهم لأنّ ذبذبات أصواتهم تختلف عن ذبذبات أصوات الأحياء منّا فلذلك لا نراهم ولا نسمع أصواتهم ، أمّا الأموات منّا فيرونهم ويسمعونهم . وقد رأيتُ بعض الجن في الدنيا وسمعتُ أصواتهم ، ورأيتُ بعض الجن في عالم الأرواح ورأيتُ لهم حوافر كحوافر الخيل وليس لهم أقدام كأقدام البشر .

65 - (إِنَّ عِبَادِي ) المخلصين (لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) أي سُلطة (وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً ) لهم ، أي حفيظاً يحفظهم من شرّ الشيطان ووسوستهِ .

66 - (رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ ) أي يسوق لكم السُفن بإرسال الرياح ،
ومن ذلك قول كعب بن زُهير : فأصبحَ باقِي الوُدِّ بَينِي وبَينَها أمانيَّ يُزْجِيها إليّ كَذُوبُها
وقال أيضاً : لازالتِ الرِّيحُ تُزْجِي كُلَّ ذِي لَجَبٍ غَيْثاً إذا ما وَنَتْهُ دِيمَةٌ دَفَقَا
(فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ) بالتجارة والربح وتحصيل ما تحتاجون إليهِ ممّا ليست عندكم (إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) في تسخيرها لكم لتيسير المعاش .

67 - (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ) أيّ الشدّة (فِي الْبَحْرِ) من خوف الغرق عند تلاطم الأمواج وهياج البحر (ضَلَّ مَن تَدْعُونَ) أي ذهب عن خواطركم كل من تعبدون (إِلَّا إِيَّاهُ) يعني إلّا الله وحده لا يزول عن خواطركم في ذلك الوقت لعلمكم بأنّه القادر على نجاتكم . ثم ذكّرهم الله تعالى بحادثة أخرى وقعت لنفرٍ من قريش مثل هذه فقال تعالى (فَلَمَّا نَجَّاكُمْ) من الغرق وأوصلكم (إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ) عن التوحيد ورجعتم إلى عبادة الأصنام . والنفر هم عمرو بن العاص وجماعة معه ذهبوا إلى الحبشة في طلب المؤمنين . وقد ذكرتُ قصتهم في سورة يونس عند قوله تعالى{ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } .

(وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا) للنعم .

68 - (أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ ) يعني إنّ فِعلكم هذا فعل من يتوهّم أنّهُ إذا صار إلى البرّ أمِنَ من المكاره حتّى أعرضتم عن شكر الله وطاعتهِ إلى عِصيانِ أوامره فهل أمنتم أن يخسف بكم الجهة الّتي تسيرون علها وتسافرون فيها من الصحراء (أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ) كما أرسل على أصحاب الفيل الحصى مع الطير فأهلكهم ، فالحاصب هو الحصى ،
والشاهد على ذلك قولُ امرئ القيس يصفُ جوادهُ : فَقَفَّى عَلَى آثارِهِنَّ بِحاصِبٍ وغَبْيَةِ شُؤْبُوبٍ مِنَ الشَّدِّ مُلْهِبِ يعني يُثير الحصى بحوافره حين يعدو ويُسرع ،
(ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً ) أي حافظاً يحفظكم منها بل تهلكون كما هلك من كان قبلكم بها .

69 - (أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ ) أي في الفُلك (تَارَةً اُخرى ) بأن يجعل لكم حاجة في السفر فتسافرون بالسُفُن (فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفا مِّنَ الرِّيحِ ) أي ريحاً شديدة تقصف سفينتكم (فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ) أي بسبب كفركم (ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ ) أي بالغرق (تَبِيعًا) يعني لا تجدون من يُتابع أجسامكم وينتشلها من البحر ولا نحن نرسل من ينتشلها كما هيّأنا لفرعون من انتشلَ بدنهُ من البحر بل تبقى أجسامكم للحيتان وحيوان البحر يأكلها .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم