كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الإسراء من الآية( 84) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

84 - (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) يعني كلّ إنسان يعمل بالعادات الّتي اكتسبها من رُفقائهِ الّذينَ هم على شاكلتهِ ، فمن رافق الأشرار أصبح شريراً مثلهم ، ومن رافق الأخيار أصبحَ صالحاً مِثلهم (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً ) يعني الله أعلمُ بمن هو أتقى وأصلح فلا تتفاخروا فيما بينكم بالتقوى والصلاح . ومِثلها في سورة النجم قوله تعالى {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } .

85 - لَمّا نزلت الآية في سورة الشعراء {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} ، قالت قريش ومن هو الروح الأمين وما صفاته ولم لا نراه ؟ فنزلت هذه الآية رداً على سؤالهم :

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) يعني عن جبرائيل وصفاته (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي هو من مخلوقات ربي الروحانيّة ولكنكم لا ترونهم لأنّ نظركم محدود ولا تعلمون بهم لأنّكم في مدرسة ابتدائية وسترونهم إذا انتقلتم إلى الثانوية ، يعني إلى الآخرة ، فكلمة "أمر" كناية كل مخلوق أثيري روحاني . وقد سبق الكلام عن ذلك في عدّة مواضع من القرآن (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) وستزداد معلوماتكم إذا انتقلتم إلى الثانوية إلى عالم النفوس بالموت وترون تلك المخلوقات الروحانية وترون الجن والشياطين أيضاً .

86 - (وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) بأن نُنسيك إيّاهُ ونمحوهُ من صدور أصحابك ومن الكتب الّتي كتبوها (ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ ) أي بإرجاعهِ (عَلَيْنَا وَكِيلاً ) أي لا تجد من يتكفّل بإرجاع الوحي إليك .

87 - (إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) أي لكن رحمتنا أدركتك فتركناهُ غير مذهوب به لأجلك (إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ) إذ أنزل القرآن عليك وجعلك خاتم النبيّين .

88 - قال النضر بن الحارث لو شئنا لقلنا مثل هذا القرآن ، فنزلت هذه الآية ردّاً عليه (قُل) يا محمّد لهؤلاء المشركين (لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ ) في فصاحتهِ وبلاغتهِ وما فيه من إخبار عن الماضي وإنباء عن المستقبل (لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) أي مُعيناً ومساعدا ً .

89 - (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ ) أي بيّنّا وأوضحنا للناس (مِن كُلِّ مَثَلٍ ) ليُفكّروا بها ويتّعِظوا (فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ) يعني إلاّ جحوداً للحقّ .

90 - (وَقَالُواْ) مُشركو العرب (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا ) من الماء .

91 - (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ) أي بستان (مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا ) أي خلال الأشجار ، يعني ما بين أشجارها (تَفْجِيرًا) أي تتفجّر عيون الماء من الأرض ثمّ يجري الماء في الأنهار .

92 - (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ) أي قِطعاً من الأحجار (أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً ) أي يُقابلوننا فنراهم ويشهدون لنا بأنّك مُرسَل من الله .

93 - (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ ) أي مُزخرَف بالذهب مِثل قصر سُليمان (أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء ) أي تصعد إلى السماء (وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ) لو ارتقيتَ فيها (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا ) فيهِ تصديقك (نَّقْرَؤُهُ) فإن كان حقّاً آمَنّا (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي ) وهذه الجملة تُقال للتعجّب ، يعني عجباً لكم ولِما اقترحتموهُ من الآيات (هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ) يعني ما أنا إلاّ بشرٌ كسائر الناس ورسولٌ كسائر الرُسُل .

94 - (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ ) يعني أيّ شيء منعهم عن الإيمان بالله (إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى ) وأوضحنا لهم السُبُل إلى الهداية (إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ) .

95 - (قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ) في عالم المادّة لا يؤذيهم شيءٌ منها ويرتاحون لها كما ترتاحون أنتم (لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً ) .

96 - (قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) يعني إنّ الله يعلمُ ويرى بأنّي بلّغتُ وأنذرتُ وأنتم عاندتم ولم تسمعوا لقولي (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) لا يخفَى عليهِ شيء من أحوالكم .

97 - (وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ) لا يتمكّن أحد من الناس أن يُضلّهُ (وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء ) يهدونهم (مِن دُونِهِ ) أي غير الله هادياً (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) مُتّجهين (عَلَى وُجُوهِهِمْ ) إلى جهنّم بلا مُحاكمة ولا عِتاب (عُمْيًا) عن طريق الخروج منها (وَبُكْمًا) عن النطق بالاعتذار (وَصُمًّا) عن استماع الطرب وأصوات الفرح (مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ) يأوون إليها ويسكنون فيها (كُلَّمَا خَبَتْ ) أي كلّما سكنت النار وهدأت ،
والشاهد على ذلك قولُ عديّ بن زيد : وَسْطُه كاليَراعِ أَو سُرُجِ الْمَجْ === دلِ حِيناً يَخْبُو وحِيناً يُنِيرُ
وقال الآخر : وكُنَّا كَالحَرِيقِ أَصابَ غاباً فَيَخْبُو ساعَةً ويُنِيرُ ساعا وقال حسّان : مَتَى تَرَنَا الأَوْسُ فِي بَيْضِنا نَهُزّ القَنا تَخْبُ نِيرانُها
(زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) .

98 - (ذَلِكَ) العِقاب (جَزَآؤُهُم) استحقّوهُ (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنّهم (كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ ) مُنكرين للبعث والعقاب (أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ) . فردّ الله تعالى عليهم قولهم فقال :

99 - (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) أي الكواكب السيّارة ومن جملتها الأرض مع ما فيهما من أنواع المخلوقات (قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) . فتأمّل أيّها القارئ إلى قوله تعالى (أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) ، ولم يقل يُعيد خلقهم ، لأنّ إعادة الأجسام الميّتة لا فائدة منها لأنّ النفس هيَ الإنسان الحقيقي . والمعنى : كما خلقهم من مُركّبات عناصر أرضيّة كذلك قادر على إعادة تلك الرِمم إلى الحياة مرّةً اُخرى بأن يُنشئ فيها نفوساً اُخرى غير الّتي نشأت أوّل مرّة . ولَمّا تبيّن أنّ الله تعالى إذا أعادَ الأجسام إلى الحياة ينشئ فيها نفوساً اُخرى صار غير واجب عليهِ إعادتها إلى الحياة ثانيةً فإن شاء أعادها وإن لم يشأ لا يُعيدها بل يخلق غيرها ، ولذلك قال تعالى في سورة عبس {ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ } . (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً ) أي أمهلهم ليفكّروا ويتشاوروا لكي يعرفوا الحقّ فيتّبعوهُ ، ومدّة الوقت لإمهالهم إلى يوم مماتهم ، وبعده لا تُقبل توبتهم ولا إيمانهم وليس لهم عُذرٌ بعد ذلك ، وهذا الأجل (لاَّ رَيْبَ فِيهِ ) أي لا شكّ فيهِ ، إذ لا أحد يشكّ بالموت فكلّ الناس تموت (فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا ) يعني إلاّ إنكاراً وجحوداً للحقّ .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم