كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الكهف من الآية( 17) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

17 - (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ) أي تميل وقت طلوعها عن كهفهم إلى جهة اليمين ، ومن ذلك قول كعب بن زُهير يصف ناقتهُ : فإذا رَفَعْتُ لها اليَمِينَ تزاوَرَتْ عن فَرْجِ عُوجٍ بينهُنَّ خَلِيفُ (وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ) أي تقطعهم مسافة عن كهفهم وتتركهم (ذَاتَ الشِّمَالِ ) يعني مرّة تكون عن يمين الكهف ومرّة عن شمالهِ فلا يصيبهم من حرارتها (وَهُمْ) نائمون (فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ) أي في فسحةٍ من الكهف تَسَعُهم (ذَلِكَ) الّذي نالهم في الكهف من النوم سنين معدودة (مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ) الدالّة على قدرته (مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ) لا يقدر أحد أن يًضلّهُ (وَمَن يُضْلِلْ ) يعني ومن يُضْلِلْهُ الله (فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا ) يُرشدهُ إلى طريق الحقّ .

18 - (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا ) يعني لو رأيتهم لحسبتهم مُنتبهين (وَهُمْ رُقُودٌ ) أي نيام ،
ومن ذلك قولُ امرئ القيس : تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بالأثْمُدِ ونَامَ الخَلِيُ وَلَمْ تَرْقُدِ
وقال الأعشى : أَجِدَّكَ لَمْ تَغْتَمِضْ لَيْلَةً فتَرْقُدَها مَع رُقَّادِها
وقال عنترة : حرامٌ عليَّ النومُ يا ابنةَ مالِكٍ ومَنْ فَرْشُهُ جَمْرُ الغَضَا كَيْفَ يَرْقُدُ
(وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ) معناهُ ونقلّبهم تارةً عن اليمين إلى الشمال وتارةً عن الشمال إلى اليمين (وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) أي بالمسلك المؤدّي إلى الفجوة ، يعني بين الباب وبين الفجوة ، فالوصيد مكان سدّ الباب ، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الهمزة {إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } أي مُطبَقة (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ) أيّها السائل عنهم (لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ ) أي لأدبرتَ عنهم ممّا يُصيبك من الخوف (فِرَارًا) عنهم (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ) فإنّ الله تعالى ملأ الكهف رُعباً ووحشةً لئلاّ يدخل عليهم أحد فيؤذيهم .

19 - (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ) يعني كما فعلنا بهم الاُمور العجيبة وحفظناهم تلك المدّة المديدة بعثناهم من سُباتهم (لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ ) عن حالهم ومدّة لبثهم ، فإذا علموا بها ازدادوا يقيناً واعتقاداً بقدرة الله تعالى (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ) في نومكم (قَالُوا) أصحابهُ (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) فلمّا نظروا إلى طول أظفارهم وشعرهم أحالوا العِلم إلى الله (قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ) وكانت مدّة نومهم سنين معدودة ، يعني ما بين العشرين والثلاثين ، قالوا (فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ ) أي بفضّتكم ،
ومن ذلك قول الخنساء : لو كانَ يُفدَى لكانَ الأهلُ كلُّهُمُ وما أثمرَ من مالٍ وأوراقِ
وهي الدراهم وكان عليها رسم الملِك المشرِك الّذي كان في زمن هروبهم منه (إِلَى الْمَدِينَةِ ) القريبةِ منّا (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ) يعني أطهر وأحسن طعاماً (فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ ) أي من الطعام (وَلْيَتَلَطَّفْ) في القول فلا يُنازع البائع (وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ) أي لا يخبر بكم ولا بمكانكم أحداً من أهل المدينة .

20 - (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) يعني إن يطّلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم (يَرْجُمُوكُمْ) بالحجارة حتّى تهلكوا (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ) أي يردّوكم إلى دينهم (وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) يعني إن علموا بمكانكم لن تنجحوا في دينكم الّذي أنتم عليه من التوحِيد .

21 - (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ) أي كما أنَمْناهم وبعثناهم أطْلَعْنا أهل تلك المدينة على شأنهم وقصّتهم (لِيَعْلَمُوا) أهل المدينة وغيرهم ممّن يسمع بقصّتهم (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ ) بالبعث والحساب (حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ ) أي ساعة الموت (لَا رَيْبَ فِيهَا ) يعني لا شكّ فيها ، فإذا مات الإنسان يُبعَث من جسمهِ إلى عالم النفوس وهناك يلقى جزاءهُ . ولَمّا رجع إلى أصحابه في الكهف وأخبرهم بالقصّة سألوا من الله أن يميتهم لئلاّ يكونوا محطّ أنظار الناس ، فماتوا في كهفهم ، ولَمّا أبطأوا دخل عليهم أهل المدينة فوجدوهم موتَى ، فقالت إحدى الطائفتين نحن نبني قبوراً لهم ، وقالت الاُخرى بل نحن نبني ، وذلك قوله تعالى (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) يعني يتنازعون في أمر البناء (فَقَالُوا) أهل المدينة ، أي قال بعضهم لبعض (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ) أي ابنوا باب الكهف عليهم واتركوهم فيهِ (رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) هل ماتوا أم ناموا ثانيةً (قَالَ) أي قالت الفرقة الثانية (الّذينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ) يعني غلبوا على أمر الفتية في شأن البناء (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) أي مكاناً للسجود والصلاة ، فبنَوا فوق الكهف كنيسة .

22 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ اختلاف الناس في عددهم فقال (سَيَقُولُونَ) أي بعض الناس (ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ ) آخرون (خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ) أي على الظنّ لا عن حقيقة (وَيَقُولُونَ) آخرون (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) وكان عددهم ثمانية غير الكلب 3 . ولَمّا جاء وفد نصارى نجران وقع هذا الاختلاف في عددهم ، فقال الله تعالى لرسوله إقطع النزاع في ذلك و (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم ) أي بعددهم (مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) من الناس (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ ) أي فلا تجادل الخائضين في عددهم وشأنهم ، فالمِراء هو الجدال بين خصمين ،
ومن ذلك قول حسّان بن ثابت يرثي حمزة عمّ النبيّ : أَبْيَضَ في الذِّرْوَةِ مِنْ هاشِمٍ لم يَمْرِ دُونَ الحَقِّ بِالباطِلِ أي لم يُجادل دون الحقّ ،
وقال جرير : فيمَ الْمِراءُ وَقَد سَبَقتُ مُـجاشِعاً سَبقاً تَقَطَّعُ دونَهُ الأَبصارُ
وقال الفرزدق يصفُ قِدراً تغلي باللّحم : كَأَنَّ نَهِيمَ الغَلْيِ فِي حُجُراتِهَا تَمَارِي خُصُومٍ عاقِدِينَ النَّواصِيَا
(إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا ) معناه إلاّ بما أظهرنا لك من أمرهم وشأنهم (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم ) أي لا تسأل عن أهل الكهف وتستفسر عن قَصّتهم (مِّنْهُمْ أَحَدًا ) أي من النصارى أحداً ، نحن أعلمناك بقصّتهم . ولَمّا سألوه أهل مكّة عن قصّة أهل الكهف قبل نزول هذه الآيات قال النبيّ غداً آتيكم بها ، ولم يقل إن شاء الله . فنزل قوله تعالى :

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم