كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الكهف من الآية( 20) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

20 - (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ) يعني إن يطّلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم (يَرْجُمُوكُمْ) بالحجارة حتّى تهلكوا (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ) أي يردّوكم إلى دينهم (وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) يعني إن علموا بمكانكم لن تنجحوا في دينكم الّذي أنتم عليه من التوحِيد .

21 - (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ) أي كما أنَمْناهم وبعثناهم أطْلَعْنا أهل تلك المدينة على شأنهم وقصّتهم (لِيَعْلَمُوا) أهل المدينة وغيرهم ممّن يسمع بقصّتهم (أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ ) بالبعث والحساب (حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ ) أي ساعة الموت (لَا رَيْبَ فِيهَا ) يعني لا شكّ فيها ، فإذا مات الإنسان يُبعَث من جسمهِ إلى عالم النفوس وهناك يلقى جزاءهُ . ولَمّا رجع إلى أصحابه في الكهف وأخبرهم بالقصّة سألوا من الله أن يميتهم لئلاّ يكونوا محطّ أنظار الناس ، فماتوا في كهفهم ، ولَمّا أبطأوا دخل عليهم أهل المدينة فوجدوهم موتَى ، فقالت إحدى الطائفتين نحن نبني قبوراً لهم ، وقالت الاُخرى بل نحن نبني ، وذلك قوله تعالى (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) يعني يتنازعون في أمر البناء (فَقَالُوا) أهل المدينة ، أي قال بعضهم لبعض (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ) أي ابنوا باب الكهف عليهم واتركوهم فيهِ (رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) هل ماتوا أم ناموا ثانيةً (قَالَ) أي قالت الفرقة الثانية (الّذينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ) يعني غلبوا على أمر الفتية في شأن البناء (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) أي مكاناً للسجود والصلاة ، فبنَوا فوق الكهف كنيسة .

22 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ اختلاف الناس في عددهم فقال (سَيَقُولُونَ) أي بعض الناس (ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ ) آخرون (خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ) أي على الظنّ لا عن حقيقة (وَيَقُولُونَ) آخرون (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) وكان عددهم ثمانية غير الكلب 3 . ولَمّا جاء وفد نصارى نجران وقع هذا الاختلاف في عددهم ، فقال الله تعالى لرسوله إقطع النزاع في ذلك و (قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم ) أي بعددهم (مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) من الناس (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ ) أي فلا تجادل الخائضين في عددهم وشأنهم ، فالمِراء هو الجدال بين خصمين ،
ومن ذلك قول حسّان بن ثابت يرثي حمزة عمّ النبيّ : أَبْيَضَ في الذِّرْوَةِ مِنْ هاشِمٍ لم يَمْرِ دُونَ الحَقِّ بِالباطِلِ أي لم يُجادل دون الحقّ ،
وقال جرير : فيمَ الْمِراءُ وَقَد سَبَقتُ مُـجاشِعاً سَبقاً تَقَطَّعُ دونَهُ الأَبصارُ
وقال الفرزدق يصفُ قِدراً تغلي باللّحم : كَأَنَّ نَهِيمَ الغَلْيِ فِي حُجُراتِهَا تَمَارِي خُصُومٍ عاقِدِينَ النَّواصِيَا
(إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا ) معناه إلاّ بما أظهرنا لك من أمرهم وشأنهم (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم ) أي لا تسأل عن أهل الكهف وتستفسر عن قَصّتهم (مِّنْهُمْ أَحَدًا ) أي من النصارى أحداً ، نحن أعلمناك بقصّتهم . ولَمّا سألوه أهل مكّة عن قصّة أهل الكهف قبل نزول هذه الآيات قال النبيّ غداً آتيكم بها ، ولم يقل إن شاء الله . فنزل قوله تعالى :

23 - (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ) .

24 - (إِلَّا) أن تقول (أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ ) بالاستغفار (إِذَا نَسِيتَ ) أن تقول إن شاء الله (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي ) إلى ما تطلبونه منّي من قصص الماضين (لِأَقْرَبَ) وقتٍ (مِنْ هَذَا ) أي من نبأ أهل الكهف (رَشَدًا) يعني عسى أن يُرشدني ربّي بأقرب وقتٍ من حديث أهل الكهف وقصّتهم في المستقبَل . لأنّ الوحي في إخبار قصّتهم تعطّل أيّاماً لكونه لم يقل إن شاء الله ، حتّى أخذ المشركون يسخرون منهُ ويقولون لقد جفاكَ ربّكَ يا محمّد وقلاك .

25 - (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) بعد موتهم (ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) وهذه المدّة من وقت موتهم إلى حين نزول هذه الآيات ، فقالت النصارى للنبي (ع) من أين جاءت التسعة الزائدة وقد كان تاريخ مماتهم ثلاثمائة سنة بلا زيادة ولا نقصان ؟ فنزل قوله تعالى :

26 - (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) . وبقي الأمر مجهولاً بين النصارى والقرآن فالنصارى تقول ثلاث مائة سنة بلا زيادة ، والقرآن يقول وازدادوا تسعاً ، حتّى هذا الزمن فظهر أمرها وبان سرّها وهو أنّ الفرق بين الأشهر القمريّة والأشهر الشمسية ثلاث سنين لكل مائة سنة ، فتكون الزيادة تسع سنوات بحساب الأشهر الشمسية على القمرية ، فإذا نظرنا في تاريخ ولادة المسيح وهجرة النبي محمد(ع) نجد الزمن بينهما خمسمائة وثمانين سنة ، ومن ولادة المسيح إلى وفاته أربعين سنة ، وقد أخبر الله تعالى بأنّ أصحاب الكهف لبثوا بعد موتهم إلى نزول هذه الآيات ثلاثمائة وتسع سنوات . فإذا حذفنا هذا العدد وهو 309 من 580 يكون الباقي 271 فإذا أضفنا إليه مدة عمر المسيح وهو 40 سنة يكون الناتج 311 فإذا حذفنا من العدد 21 وهي المدة التي ناموا فيها بالكهف يكون الباقي 290 سنة بعد وفاة المسيح . وهذا تاريخ دخولهم في الكهف .

وقوله (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) أي بصّر الناس بأعمال الله وأسمعهم بأفعاله ليعرفوا قدرته فيعظّموه ويقدّسوه (مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ) يتولى أمرهم وشؤونهم (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ) يوم القيامة (أَحَدًا) والمعنى لا تجعلوا لله شريكاً ولا شفيعاً لكم عند الله يوم القيامة فالحكم في ذلك له وحده لا يشرك في حكمه بين خلقه أحداً من الملائكة ولا من الأنبياء والمرسلين . ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة البقرة {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} .

27 - (وَاتْلُ) يا محمّد ، أي اقرأ عليهم (مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ) أي ممّا كتبهُ الله في اللّوح المحفوظ من قصص الأنبياء وأقوامهم السالفة (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) أي لا تُبَدِّلْ آية من القرآن ولا كلمة واحدة ممّا اقترحوا عليك ولا تسمع لقولهم إذْ قالوا {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ } ، فإن فعلتَ فلا تَنجُ من عقابهِ (وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) أي لن تجد لِحداً تلتحد فيه وتختفي بهِ عن أبصارنا إذا بدّلتَ شيئاً من كلمات ربّك .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم