كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الكهف من الآية( 28) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

28 - (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ) أي صبِّرْ نفسك (مَعَ الّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ) أي يذكرون الله بالصلاة مرّة وبالدعاء مرّة وبالتسبيح اُخرى فلا ينسَونهُ بل يذكرونه على الدوام (يُرِيدُونَ) بذلك (وَجْهَهُ) أي يريدون الجنّة الّتي هي في جهتهِ وفي جوارِه في السماوات الأثيريّة ، فالوجه في لسان العرب معناه الجِهة (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) بالنظر إلى غيرهم (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) أي مريداً مجالسة أهل الشرف والغِنَى ، وكان النبيّ (ع) حريصاً على إيمان رؤساء العرب طمعاً في إيمان أتباعهم وكان يلينُ لهم في الكلام فعوتِبَ بهذه الآية واُمِرَ بالإقبال على فقراء المؤمنين (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ) بسبب تكبّرِه على الفقراء وظلمهِ للضُعفاء (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) في عبادة الأصنام والملائكة وغيرهم (وَكَانَ أَمْرُهُ ) في عبادتهم (فُرُطًا) أي ضياعاً ، يعني وكان مالهُ وأتعابه وخدمته في سبيل الأصنام ضياعاً لا يستفيد منها شيئاً بل يُعاقَب عليها .

29 - (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ) أي قل لهؤلاء المشركين المعاندين إنّ القرآن حقّ وهو مُنزَل من ربّكم (فَمَن شَاءَ ) الإيمان (فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء ) الكفرَ (فَلْيَكْفُرْ) فإنّ الله لا ينفعهُ إيمان من آمَنَ ولا يضرّهُ كُفرُ مَن كَفَر (إِنَّا أَعْتَدْنَا ) أي هيّأنا (لِلظَّالِمِينَ) أي للكافرين (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ) أي دخانها ولهبها ، فشبّهَ إحاطة الدخان بهم كإحاطة السُرادق بالبيت ، والسُرادق هي الحُجُب الّتي تكون حول بيت الشَّعر ولها باب أي فتحة للدخول منها إلى البيت ،
ومن ذلك قول جرير وسُفْيانُ خَوّاضٌ إلَى حَارَةِ الوَغَى وَلُوجٌ إذا ما هِيبَ بابُ السُّرادقِ
(وَإِن يَسْتَغِيثُوا ) من شِدّة العطش وحرارة النار (يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ ) أي كالزيت المغلي العكر (راشي) ، إذا أرادوا فصل الزيت عن تفلهِ يُغلى الراشي على النار فينفصل زيت السمسم عن تفله بالغليان (يَشْوِي الْوُجُوهَ ) أي يحرق الجهة الّتي يُلامسها من جلودهم وأمعائهم (بِئْسَ الشَّرَابُ ) ذلك الماء (وَسَاءتْ) تلك السُرادِق (مُرْتَفَقًا) أي متّكئاً لهم ، وهو ما يُتّكَأ عليه كالجدار والحجاب وغير ذلك .
والشاهد على ذلك قول أبي ذؤيب : نَامَ الْخَلِيُّ وَبِتُّ اللّيلَ مُرْتَفِقًا كَأَنَّ عَيْنِيَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ

30 - (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) لهم عند ربّك جنّات (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) .

31 - (أُوْلَئِكَ) المؤمنون الصالحون (لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ) أي سبعٍ في العدد (تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ) أي يلبسون حُليّاً في تلك الجنان وتلك الحُليّ أثيريّة نشأت في حُلي ذهبيّة ، ولذلك قال تعالى (مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ ) ، فلو أراد بذلك الأساور الذهبيّة المادّية لقال تعالى يُحلّون فيها أساور ذهبيّة ، فيكون الكلام أوجز ولم يكرّر كلمة "مِن" . وكذلك قوله تعالى (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ ) يعني ثياب أثيريّة نشأت في ثياب مادّية سُندسيّة ، والسندس نوع من نسيج الإبريسم والحرير وكذلك الإستبرق ويسمّى "ديباج" أيضاً ،
وفي ذلك قال المرقّش : تَرَاهُنَّ يَلْبَسْنَ الْمَشَاعِرَ مَرَّة وَإِسْتَبْرَقُ الدِّيبَاجِ طَوْرًا لِبَاسُهَا
(مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ) أي على الأسرّة ، "الأريكة" سرير مُزيّن فاخر وجمعه أرائك ،
ومن ذلك قولُ الأعشى : وسَبَتْكَ حِينَ تَبَسَّمَتْ بَينَ الأرِيكَةِ والسِّتارَهْ
(نِعْمَ الثَّوَابُ ) ثوابهم (وَحَسُنَتْ) الأرائك (مُرْتَفَقًا) أي مُتّكَئاً لهم .

32 - (وَاضْرِبْ لَهُم ) أي للمشركين (مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ ) وهما من أولاد سبأ بن يشجُب بن يعرب بن قحطان ، وسُكناهما باليمن ، وكان أحدهما مُشرِكاً والآخر موحِّداً مؤمناً (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ ) أي بستانين للمُشرك منهما (مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ) أي جعلنا النخل مُحيطاً بهما ،
ومن ذلك قول عنترة يصف بعض النساء : حَفَّتْ بهنّ مَناصِلٌ وذَوابِلٌ ومَشَتْ بهنَّ ذَوامِلٌ ونَواجِ يعني أحاط الرجال بهنّ يحرسونهنّ
(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا ) أي بين الجنّتين (زَرْعًا) أي مزرعة .

33 - (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا ) وافياً ، أي ما يؤكل منها وهو الثمر (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ) أي لم تنقص منه شيئاً . (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ) أي أجرَينا بين الجنّتين نهر ماء .

34 - ( وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ) جمعَهُ من الجنّتين ليبيعهُ ( فَقَالَ لِصَاحِبِهِ ) المؤمن (وَهُوَ يُحَاوِرُهُ ) أي يُفاخِرهُ ويُجادِلهُ (أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ) أي أعزّ خدماً وأولاداً .

35 - (وَدَخَلَ) المشرك (جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ) بإشراكه ومنع حقوق الفقراء من جنّتيهِ (قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ ) أي تتلف (هَذِهِ) الجنّة (أَبَدًا) .

36 - (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ) يعني وما أظنّ أنّ قيامةً تقوم ويُحاسَب الناس ويجازَون على أعمالهم فيقولون أنفِقْ على الفقراء والله يعطيك في الجنّة (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ ) في الآخرة (خَيْرًا مِّنْهَا ) أي أحسن من هذه الجنّة (مُنقَلَبًا) يعني عند موتي ورجوعي إلى الآخرة ، كلاّ ما هذه إلاّ أقوال لا صحّة لها .

37 - (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ ) المؤمن (وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ) أي من عناصر أرضيّة بأن امتصّتها الأشجار من الأرض فصارت فاكهة وأثماراً فأكلها أبوك فصارت نطفة في صُلبهِ ثمّ تحوّلت إلى رحم اُمّك ثمّ خلقك بشراً سويّاً ، وهذا معنى قوله تعالى (ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم