كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الكهف من الآية( 38) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

38 - (لَّكِنَّا) أي لكنّني أعترف (هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ) .

39 - (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ) شكرتَ الله تعالى على ما أعطاك من النِعم لزادك نِعمةً و (قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) أي لا قوّةَ لي على تحصيل هذه الأثمار إلاّ بإرادة الله ومُساعدتهِ ، وكلمة "لا" من قوله (َلَوْلَا) نافية ، ومعناها لكنّك لم تشكر الله ولم تُخلص له بالعبادة بل أشركتَ معه الأصنام (إِن تُرَنِ ) يعني ألم ترني (أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ) وأشكر الله تعالى على ما أنعم به عليّ ولم أكفر ، وأنفِقُ على الفقراء في سبيل الله ولم أبخلْ .

40 - (فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا ) أي على جنّتهِ (حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء ) أي عذاباً من السماء لم تحسبهُ ولم يخطر على بالك . وهذا مِثل قوله تعالى في سورة الطلاق {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } ، (فَتُصْبِحَ) جنّتكَ (صَعِيدًا زَلَقًا ) أي تصبح أرضاً صبخاء خالية من الأشجار والأثمار حتّى أنّ الماشي عليها يزلق لشدّة سَبختها وملوحتها .

41 - (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ) أي غائراً في الأرض لا يخرج من العين (فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ) يعني لا يعود الماء يخرج من العين مهما وسّعتَ العين وحفرتَ الأرض وأزَلْتَ الرمل والحصَى . وانتهت المحاورة بينهما . ثمّ قال الله تعالى :

42 - (وَأُحِيطَ) التلف (بِثَمَرِهِ) الّذي جمعهُ من الجنّتين (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ) تأسّفاً وندماً (عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا ) من المال ، وهذا مثَل يُضرَب عند العرب في خسارة أو ضررٍ لم يكن يتوقّعهُ ، فيقلّبُ كفّهُ ويشمّها ويقول لم أكن أشمُّ قفا يدي ، ولا تزال هذه العادة موجودة عندنا في العراق ، والمعنى : لم أكن أعلم أنّ الأمر يصل إلى هذه الحال وإلى ما صرتُ إليهِ من مكروه (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ) أي مُتداعية سقطتْ أبنيتها على أشجارها وأشجارها على أبنيتها ، فإنّ الله تعالى أرسل السيل على جنّتيهِ فذهبت أثمارهما وسقطت أشجارهما وتداعت جدرانهما وخسِرَ ما أنفق فيهما (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ) .

43 - (وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ) يعني لم تكن لهُ جماعة يدفعون عن أمواله السيل ويُخلّصونها من الغرق (وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ) على صاحبهِ بكثرة المال والنفَر .

44 - (هُنَالِكَ) أي في تلك الحالة وفي ذلك الوقت تكون (الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ) يعني وقت الشِدّة تكون النُصرة من الله لمن كان على الحقّ ، والخذلان والدمار لمن كان على الباطل ، يعني النُصرة للمؤمن بالله والدمار للكافر بهِ (هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ) للمؤمنين في الدنيا (وَخَيْرٌ عُقْبًا ) يعني وخيرٌ لهُ في الآخرة .

45 - ثمّ ضرب الله مثَلاً للمُعتزّين بالدنيا فقال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُم ) يا محمّد (مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) وسرعة زوالها (كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ) وهو المطر (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ) أي نبتَ بذلك الماء نباتٌ التفّ بعضه ببعض يروق حُسناً وغضاضةً فلم يبقَ إلاّ أيّاماً قليلة وجاء الصيف فَيَبَسَ واصفرّ من شِدّة الحرّ والعطش (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا ) أي مُتهشّماً مُتكسّراً (تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ) أي تمزّقهُ الرياح وتفرّقهُ في الأرض ، فكذلك الدنيا لا تدوم لأحدٍ فلا تغترّوا بها (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ) من الإنشاء والتدمير (مُّقْتَدِرًا) لا يصعب عليه شيء من ذلك . وهذا المثَل ضربه الله تعالى لأغنياء قريش الّذينَ يستنكفون أن يجالسوا الفقراء من المؤمنين .

46 - (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ولا ينفعك في الآخرة إلاّ ما قدّمتَ منهما لآخرتك (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ) أي الأعمال الصالحة الّتي تبقَى لك مذخورة عند الله (خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ) من المال والبنين الّذي لهؤلاء المشركين في دار الدنيا (ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) يعني وخير من آمال المشركين في آلهتهم ، لأنّ الله تعالى لا يخلف الميعاد بل يَفِي لكم بوعده في الآخرة ، ولكنّ المشركين لا يستفيدون شيئاً من آلهتهم فآمالهم بها خائبة لا تتحقّق .

47 - (وَيَوْمَ) وقوف الأرض عن دورتها المحورية (نُسَيِّرُ الْجِبَالَ ) أي نسيّر النيازك نحو الشمس فتجذبهنّ إليها . لأنّ جاذبيّة الأرض تنتهي بانتهاء الحرارة التي في جوفها فحينئذٍ تُفلت النيازك من جاذبية الأرض وتنقاد لجاذبية الشمس . ومِثلها في سورة النبأ قوله تعالى {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا } أي تسير نحو الشمس كأسراب القَطا . (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ) في الفضاء ، وذلك لأنّ الصالحين والمتقين من النفوس يصعدون إلى السماء حين وقوف الأرض عن دورتها المحورية مع الملائكة الموجودين اليوم على الأرض فإذا صاروا في السماء رأوا الأرض بارزة في الفضاء تدور حول الشمس ، والخطاب هنا للنبيّ . ثمّ أخبرَ الله سُبحانهُ عن من مات من المشركين فقال (وَحَشَرْنَاهُمْ) أي جمعناهم في مكان لتعذيبهم (فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ) أي فلم نترك منهم أحداً .
ومن ذلك قول عنترة : كَمْ فارِسٍ غادَرتُ يَأكُلُ لَحمَهُ ضارِي الذِّئابِ وَكاسِراتُ الأَنسُرِ

48 - (وَعُرِضُوا) المحشورون (عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ) المجرمون والمشركون والجاحدون ، فتقول لهم الملائكة على وجه التأنيب والتوبيخ (لَّقَدْ جِئْتُمُونَا ) عُراة حُفاة لا مال لكم ولا ولد (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) حين خرجتم من بطون اُمّهاتكم فأينَ ماكنتم تفتخرون بهِ على المؤمنين من المال والأولاد لم تنفعكم اليوم (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا ) للحساب والعقاب .

49 - (وَوُضِعَ الْكِتَابُ ) أي كتاب الأعمال الّذي كُتِبَتْ فيه أعمالهم وجرائمهم (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ) أي خائفين (مِمَّا فِيهِ ) من سيئات وجرائم (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ ) أي لا يترك (صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً ) من الذنوب (إِلَّا أَحْصَاهَا ) في الكتاب (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا ) أي جزاء ما عملوا (حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) بدخوله النار بدون إجرام وكفر .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم