كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الكهف من الآية( 71) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

71 - (فَانطَلَقَا) يمشيان على شاطئ البحر (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ ) للعبور إلى جهةٍ اُخرى ولَمّا وصلا المكان الّذي قصداهُ وأرادا النزول منها (خَرَقَهَا) العالِم بأن قلعَ لوحاً منها (قَالَ) له موسى مُستنكِراً فِعلهُ (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ) أي شيئاً مُنكَراً .

72 - (قَالَ) العالِم (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) ؟

73 - (قَالَ) موسى مُعتذراً لهُ (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي ) أي لا تكلّفني (مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ) أي عاملني باليُسر ولا تعاملني بالعُسر ولا تضيّق عليّ الأمر في صُحبتي إيّاك .

74 - (فَانطَلَقَا) يمشيان (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ ) العالِم بضربةٍ على قلبهِ وتركهُ ملقىً على الأرض (قَالَ) له موسى (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ) أي لا ذنبَ لها (بِغَيْرِ نَفْسٍ ) أي بغير قِصاص ، والمعنى : إنّه لم يقتل أحداً لتقتصّ منه فتقتلهُ (لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ) أي شيئاً مُنكراً .

75 - (قَالَ) العالِم (أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا ) ؟

76 - (قَالَ) موسى (إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي ) أي من قِبَلي (عُذْرًا) أعتذرُ بهِ إليك .

77 - (فَانطَلَقَا) يمشيان (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ) يعني طلبا منهم الطعام ضيافةً (فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا ) مائلاً (يُرِيدُ) جارهُ (أَنْ يَنقَضَّ ) عليهِ فيهدمه ويأخذ الكنز الّذي تحتهُ ، لأنّ جاره كان عالِماً بالكنز فكان يترقّب الفرصة ليهدّم الجدار ويسرق الكنز ، فقوله تعالى (يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ ) صِفة لجاره وليس صفة للجدار ، فلو كانت للجدار لقال تعالى "كاد أن يتهدّم" ، كما قال تعالى في سورة الحـج {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ } ، أمّا كلمة "الإنقضاض" فمعناها الهجوم على الشيء ، يُقال "إنقضّ الصقرُ على فريستهِ" أي هجم عليها ، و"إنقضّ الفارس على قرنهِ" أي هجم عليه ،
والشاهد على ذلك قول النابغة يصفُ ثوراً : إنقضَّ كالكوكبِ الدُّرِّيِّ مُنْصَلِتاً يَهْوِي ويَخْلِطُ تَقْرِيْباً بِإحْضَارِ
وقال عنترة يصفُ جوادهُ يومَ القتال : فَعَلَيْهِ أقْتَحِمُ الهِياجَ تَقَحُّماً فِيها وأنْقَضُّ انْقِضاضَ الأجْدَلِ والأجدل صِفة للصقر ، يعني انقضاض الصقر على فريستهِ ،
وقال كعب بن زُهير يصف قطاةً وبازاً يُريد أن يصيدها : غَدَا على قَدَرٍ يَهْوِي ففاجَأَها فانْقَضَّ وهو بِوَشْكِ الصَّيْدِ قَدْ وَثِقَا
وقال امرؤ القيس : رَأَى أَرْنباً فانْقَضَّ يَهْوِي أمامَهُ إلَيْهَا وجَلاّهَا بِطَرْفٍ مُلَقْلِقِ
(فَأَقَامَهُ) العالِم بالبناء والترديد لأحجارِه المتساقِطة (قَالَ) موسى (لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ) أي اُجرة على بنائهِ .

78 - (قَالَ) العالِم (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) أي هذا الاعتراض الثالث سبب الفراق بيني وبينك (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ) أي ساُخبركَ عن نتائج أعمالي الّتي أنكرتها عليّ ولم تستطع الصبر على رؤيتها .

79 - (أَمَّا السَّفِينَةُ ) الّتي خرقتُها (فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ ) بها (فِي الْبَحْرِ ) باُجرة ويعيشون عليها (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا ) لئلاّ يأخذها الملِك (وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ ) صحيحةٍ (غَصْبًا) .

80 - (وَأَمَّا الْغُلَامُ ) الّذي قتلتُهُ (فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ) وكان الغلام كافراً وكنت مأموراً بهذا من الله تعالى (فَخَشِينَا) نحن الملائكة الموكّلين بشؤون المؤمنين (أَن يُرْهِقَهُمَا ) أي يُكلّفهما (طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) يعني فخشينا أن يُرهِق الغلام أبويه إذا كبِر ويؤذيهما بكفره وطغيانهِ .

81 - (فَأَرَدْنَا) نحن الملائكة (أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا ) ولداً (خَيْرًا مِّنْهُ ) أي خيراً من الّذي قتلهُ (زَكَاةً) للنفس ، يعني ولداً صالحاً غير فاسق (وَأَقْرَبَ رُحْمًا ) يعني وأقرب إلى الأب من أرحامهِ . فتزوّج أبوهُ زوجةً اُخرى من أقاربه فولدت له ولداً فنشأ نشأةً حسنة فصار رجلاً صالحاً يدعو إلى الله ويعبدهُ .

82 - (وَأَمَّا الْجِدَارُ ) الّذي رمّمتُهُ وبنَيتُهُ (فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ) الّتي بنينا الجدار فيها (وَكَانَ تَحْتَهُ ) أي تحت الجدار (كَنزٌ لَّهُمَا ) قد دفنهُ أبوهما (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا ) وكان ترميمي للجدار (رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ) بهما (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) أي وما فعلتُ ذلك بإرادتي وإنّما فعلتهُ بأمرٍ من الله تعالى (ذَلِكَ) الّذي قلتهُ لك (تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ) .

83 - (وَيَسْأَلُونَكَ ) النصارى (عَنْ) إسكندر الملقّب بِ (ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ) أي سأقصّ عليكم من أنبائهِ خبراً وقصّةً .

84 - (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ) بأن جعلناهُ مَلِكاً وقائداً (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) أي هيّأنا لهُ أسباب الظفر في فتوحاتهِ وحروبهِ .

85 - (فَأَتْبَعَ سَبَبًا ) أي فاتّبعَ إسكندر تلك الأسباب الّتي هيّأناها لهُ وسارَ عليها فانتصر وظفر بالكافرين وفتح البلاد .

86 - (حَتَّى إِذَا بَلَغَ ) في سيره (مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) أي جهة غروب الشمس ، يعني في الجهة الّتي تقع غرب بلادهِ مكدونية . خرج إسكندر من مقدونية إلى تركية ثمّ إلى مصر فاتحاً ، وبنَى هناك مدينة الأسكندريّة ، ثمّ واصل سفره إلى السودان ، (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي ) مراقبةِ (عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) أي وجد الشمس تغرب في مراقبةِ امرأةٍ سوداء وهي ملكتهم ، والمعنى : وجدها تغرب على قوم يُراقبون الشمس عند غروبها فيسجدون لها ولهم ملكةٌ سوداء تؤمّهم فيقلّدونها واسمها كنداكة ، لأنّ إسكندر لَمّا وصل السودان وجد سُكّان ذلك القطر يعبدون الشمس ، وذلك أنّهم يجتمعون في يوم عيدهم خارج المدينة وقت غروبها وهم ينظرون إليها ويُرتّلون الأناشيد الدينيّة فإذا كادت تختفي عن الأنظار سجدوا لها بأجمعهم . فالعين معناها المراقَبة ، يُقال "زيدٌ في عيني" أي في مراقبتي ، قال الله تعالى في سورة القمر {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ } ، وقال تعالى في سورة الطور {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } ،
ومن ذلك قول الحاجري : أخافُ عَلَيْهَا مِنْ عُيُونِ وُشاتِهَا وآخُذُ عَنْهَا حَيْنَ تُقْبِلُ جانِبَا والمعنى أخاف عليها من مراقبة وشاتها ،
وقال عمرو بن كلثوم : تُرِيْكَ إذا دَخَلْتَ عَلَى خَلاءٍ وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الكاشِحِينَا
وقال أيضاً : بِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ضَرْباً وطَعْناً أَقَرَّ بِهِ مَوالِيكِ العُيُونَا و"الحمئة" معناها السوداء ،
يُقال "تحمّم الجدار" أي صار أسود من الدخان ، ويُقال "حمّمَ الغُلام" أي بدت لحيتهُ ، والحِمَم الرماد والفحم وكلّ ما احترق بالنار ،
وقوله (وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ) يعني وجد إسكندر عند المرأة السوداء قوماً يفعلون كفعلها ويُقلّدونها في سجودها للشمس . (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ) وهذه كنية إسكندر (إِمَّا أَن تُعَذِّبَ ) هؤلاء القوم الّذينَ يعبدون الشمس وذلك إن لم يؤمنوا (وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ) إذا آمَنوا .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم