كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة الكهف من الآية( 97) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

97 - (فَمَا اسْطَاعُوا ) حينئذٍ (أَن يَظْهَرُوهُ ) يأجوج ومأجوج ، يعني فما استطاعوا أن يعلوهُ ليخرّبوهُ (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) لتخرج المياه من النقب على القوم ليغرقوهم بل صارت المياه تنحدر على يأجوج ومأجوج . ولَمّا تمّ السدّ :

98 - (قَالَ) إسكندر (هَذَا) السدّ (رَحْمَةٌ) لكم (مِّن رَّبِّي ) حيث أرسلني إلى هذا المكان فعملتُ لكم هذا السدّ وخلّصتكم من الغرق (فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي ) لتهديمهِ قبل يوم القيامة (جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) أي جعلهُ مُتهدّماً فتنحدر المياه عليكم وتغرقكم . وهذا تهديد لهم وإنذار عن الكفر والرجوع إليهِ ، والمعنى : قال لهم إنْ أصلحتم أعمالكم واستقمتم على عبادة ربّكم بقيَ السدّ على حاله يحرسكم من الغرق وإن رجعتم إلى الكفر والفساد فإنّ الله يهدمهُ وتنحدر المياه عليكم فتغرقكم كما كانت في السابق فلا تغترّوا بقوّة السدّ وتقولوا لا يتهدّم لأنّه من الحديد (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) فإذا وعدَ بشيء يكون لا محالة .

99 - (وَتَرَكْنَا) يأجوج ومأجوج (بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ) في الحرب والقتال ، ومن علائم ظهور المهدي كثرة الحروب ، وقد وقعت الحرب العالميّة الأولى والثانية وماجت الناس بالحرب بعضها مع البعض (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) يعني يوم القيامة (فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا ) في المحشر للحساب والعقاب .

100 - (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ ) أي يوم القيامة (لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا ) في طريقهم ، لأنّها تجذبهم إليها .

101 - (الّذينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي ) أي عن آياتي الّتي فيها تذكير ومواعظ لمن يُفكّر فيها ويتأمّل معانيها ، وهي الكتب السماويّة (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ) لها لأنّ فيها ذمّ آلهتهم الّتي يعبدونها من دون الله .

102 - (أَفَحَسِبَ الّذينَ كَفَرُوا ) ينجون من العذاب بشفاعةِ من يعبدونهم (أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي ) الملائكة والأنبياء (مِن دُونِي أَوْلِيَاء ) كي يتولّوا أمرهم ويشفعوا لهم ، كلاّ إنّ حِسابهم خاطئ واعتقادهم باطل وعملهم زائل (إِنَّا أَعْتَدْنَا ) أي هيّأنا (جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا ) أي منزلاً ينزلون فيهِ ويقيمون بهِ إلى الأبد .

103 - (قُلْ) لهؤلاء الّذينَ اتّخذوا الملائكة والّذينَ اتّخذوا المسيح وليّاً من دون الله والّذينَ اتّخذوا المشايخ والأئمّة أولياء من دون الله ، قل لهم (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ) أي نُخبركم (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ) أي الّذينَ خسروا أعمالهم الصالحة من أعمال البِرّ وغيرها فلا يؤجَرون عليها ، فقد ذهبت أموالهم وأتعابهم أدراج الرياح لأنّهم أشركوا في أعمالهم غير الله (الّذينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ) أي ضاعت أتعابهم وأعمالهم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فلا يؤجرون عليها (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ ) بذلك (صُنْعًا) يعني إنّ المشركين ينذرون للملائكة ويقرّبون لها القرابين ويستعينون بها ويُقدّسونها ظنّاً منهم أنّها تشفع لهم عند الله ولكنّهم خاطِئون في حسابهم .

104 - (أُولَئِكَ) المشركون (الّذينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ) الّتي أنزلها على رسوله محمّد (وَلِقَائِهِ) أي أنكروا عالَم النفوس والحساب والعقاب والجزاء ، فقالوا لا بعث ولا عقاب (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) أي ضاعت أعمالهم وأتعابهم فذهبت أدراج الرياح فلا يؤجَرون عليها لأنّهم أشركوا غير الله بها . وكذلك أصبحت أكثر الناس ينذرون للأنبياء والمشايخ ويستعينون بهم عند قيامهم وقعودهم ويتبرّكون بتربةِ قبورهم وأضرحتهم ويسألون حوائجهم منها ويقدّسونها كما كانت قُريش تقدّس الملائكة وتعبدها . وكذلك النصارى أصبحت تعبد المسيح من دون الله ، والمسلمون اليوم يُعظّمون قبور المشايخ والأئمّة ويقدّسونها من دون الله . وكذلك المِلَل الاُخرى . نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم أولائك همُ الغافلون . (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) أي لا نقيم لهم مُحاكَمة ليخرجوا من جهنّم . ومِثلها في الدنيا الموقوفون في السجن لا يخرجون منه إلاّ بعد المحاكمة فإذا ثبتت براءة أحدهم اُطلِقَ سراحهُ وإلاّ يبقَى موقوفاً في السجن .

105 - (ذَلِكَ) التوقيف (جَزَاؤُهُمْ) في (جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا ) أي بسبب كفرهم وإشراكهم (وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ) يستهزئون بهم .

106 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في وصف ما أعدّهُ للمؤمنين في الآخرة فقال (إِنَّ الّذينَ آمَنُوا ) بوحدانيّة الله ولم يشركوا بهِ شيئاً من المخلوقات (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ) ينزلون فيها . "الجنّة" هي البستان ، وكلمة "فردوس" معناها المتَكسّر المتفَرّق من الأشجار ، والمعنى : لهم ما تكسّرَ وتفرّق من أشجار البساتين الّتي في الدنيا . تقول العرب "رفعهُ ففردسهُ " أي ضرب بهِ الأرض فتكسّر ، ومن ذلك قول شاعرهم : تَحِنُّ إِلى الفِرْدَوْسِ والبِشْرُ دُوْنَها وأَيْهاتَ منْ أَوْطانِها حَيْثُ حَلَّتِ7 فقول الشاعر " تَحِنُّ إِلى الفِرْدَوْسِ" يعني تميل إلى أكل الحطب والأشجار المتكسّرة لشِدّة ما بها من الجوع ، وشبيهٌ من هذا قولُ مَن قال : وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيْتَ بِبِطْنَة وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ ولعلّك أنكرتَ عليّ أيّها القارئ لكتابي هذا القول فتقول كيف تصف في الجنان أشجاراً مُتكسّرة متفرّقة وقد وصفها الله تعالى بالجمال والبهجة وحُسن المنظر . فأنا اُبيّن لك تعليل ذلك وقد شرحتهُ في كتابي الإنسان بعد الموت فقلتُ كلّ شيء من المادّة تتخلّلهُ ذرّات الأثير فتملأ مساماته وبعد أربعين يوماً على أقلّ تقدير تتجاذب ذرّات الأثير بعضها مع البعض فيصبح هيكلاً أثيريّاً داخل الهيكل المادّي نسخة طبق الأصل ، فإذا تكسّر الهيكل المادّي بقيَ الهيكل الأثيري مُحتفظاً بشكله لا يتكسّر ولا يَفنَى إلى الأبد . فالأشجار لها هياكل أثيريّة تشبهها تمام الشبه ، يعني لها أرواح فإذا قُطِعتْ شجرة من بُستان أو كسرتها الرياح فإنّ الملائكة تأخذ الشجرة الأثيريّة الّتي كانت داخل الشجرة المادّية وتصعد بها إلى السماء فيضعونها في الجنّة ، وهكذا كلّ شجرة طيّبة ذات ثمر ورائحة طيّبة أو ألوان جميلة . فهذا معنى قوله تعالى (كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ) . فالجنان الّتي في الآخرة هي وليدة بساتيننا وأشجارنا الّتي في الدنيا ، لأنّ الأشجار المادّية والأمتعة والنفوس وكلّ شيء أثيري لا يتكوّن إلاّ داخل قالب مادّي ، فالشجرة المادّية الّتي عندنا في الدنيا هيَ قالب للشجرة الأثيريّة الّتي في الآخرة ، وجسم الإنسان قالب للنفس ، وجسم الحيوان قالب لروحهِ . قال الله تعالى في سورة إبراهيم {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء } يعني الشجرة ثابتة في الأرض وما يتفرّع منها من أشجار أثيريّة تصعد بها الملائكة إلى السماء فيضعونها في الجنّة .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم