كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 158) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

158 - كان في الصفا صنم يُسمّى "إساف" وعلى المروة صنم يُسمّى "نائلة" ، وكان المشركون إذا طافوا بِهما مسحوهما بالأيدي ، فتحرّج المسلمون عن الطواف بينهما لأجل الصنمَين ، فجاء رجل من المسلمين إلى النبيّ وقال : "يا رسول الله إنّ الطواف بين الصفا والمروة كان على عهد الجاهلية وإنّي لأرى في ذلك حرَجاً فهلاّ نغيّر هذه العادة فنعطي بدلها دراهم للفقراء والأيتام؟" فنزلت هذه الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ ) والمعنى : إنّ الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله فلا تتركوهُ ، أي من علائم مُتعبّداته ، جمع شعيرة وهي العلامة . والصفا والمروة موقعان معروفان في مكّة ، ويتّصل أحدهما بالآخر بطريق مُبلّط ومُنسّق لسعي الحاجّ بينهما ذهاباً وإياباً . فالصفا إسمٌ لكلّ أرض ذات صخور كبيرة صافية ،
ومن ذلك قول الخنساء : من الهَضبةِ العُليا التي ليسَ كالصَّفا صَفَاها وما إنْ كالصخورِ صخورُها
وقال الأعشى : وإنّ غَزاتَكَ من حَضْرَمَوْتْ أتَتْنِي ودُونِي الصَّفَا والرُّجُمْ ولا تزال تلك الصُخور وآثارها باقية في المسعَى .
و"المروة" إسمٌ لكلِّ أرض ذات مرو ، وهي أحجار الحصَى نصف شفّافة لونها أبيض أو أسمر ،
ومن ذلك قول أبي ذؤيب : حتّى كأَنِّي للحوادِثِ مَرْوَةٌ بصَفا المشقّرِ كلَّ يومٍ تُقْرَعُ
وقال امرؤ القيس يصف ناقتهُ : كأَنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تُشِدُّهُ صَلِيلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
وقال جرير يصف ناقتهُ ومسيرها وقت الهاجرة : يَدمى عَلى خَدَمِ السَريحِ أَظَلُّها وَالْمَروُ مِن وَهَجِ الهَجيرَةِ حامِ المروة حصاة نصف شفّافة وجمعها مرو .
هذا ما كانتا عليه قديماً أمّا اليوم فقد بنَوا عليهما فتغيّر وضعهما واختفى المرو تحت البناء ، ويكون الصفا في مكان مرتفع والمروة في مكان منخفض قليلاً . (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ ) يعني فمن قصدهُ بالأفعال المشروعة (أَوِ اعْتَمَرَ ) يعني أو زارَ البيت ، لأنّ لفظة "عُمرة" معناها الزيارة ، فالحجّ زيارة البيت في وقتٍ مخصوص والعُمرة في أيّ وقت كان ، والحجّ للبعيد عن مكّة ، والعُمرة لمن كان قريباً منها (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ) أي فلا حرج على من حجّ أو اعتمر (أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) يعني أن يطوف ما بين الصفا والمروة ، ويكون ذلك سبع مرّات ذهاباً وإياباً (وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ) أي ومن تبرّع خيراً من الخيرات ، والخير الذي يتبرّع به الحاج يكون للفقراء والأيتام فيعطي سبع دراهم لفقير وسبعاً اُخرى ليتيم (فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ ) لتطوّعهِ فيجازيه على ذلك أضعافاً (عَلِيمٌ) بمن يتطوّع بالخيرات ومن يبخل بها ، وهذا مُستحبّ غير واجب .

159 - ثمّ حثّ الله سُبحانهُ على إظهار الحقّ وبيانه ونَهَى عن كتمان الحقّ وإخفائه فقال تعالى (إِنَّ الّذينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ ) يعني من الأدلّة على توحيد الله (وَالْهُدَى) إلى طريق الحقّ (مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ) أي في الكتُب السماوية كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن ، ويريد بذلك علماء الضلال (أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ ) أي يبعدهم من رحمته (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) أي ويلعنهم مُقلّدوهم من الناس وذلك في الآخرة حين يشاهدون العذاب .

160 - ثمّ استثنَى سبحانهُ الّذينَ تابوا فقال (إِلاَّ الّذينَ تَابُواْ ) عمّا سلفَ منهم (وَأَصْلَحُواْ) أعمالهم (وَبَيَّنُواْ) ما كتموهُ عن الناس من الحقّ (فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .

161 - (إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا ) بالقرآن ، والدليل على ذلك قوله تعالى فيما مضى من آية 121 (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) يعني وَمَن يكفر بالقرآن ، (وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) أي لم يؤمنوا حتّى الموت (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) تلعنهم ، فإنّ المؤمنين يلعنون الكافرين في الدُنيا وفي الآخرة ، أمّا باقي الناس فيلعنونهم في الآخرة ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا } .

162 - (خَالِدِينَ فِيهَا ) أي في النار ، وإنّما لم يذكر النار هنا لأنّ ذِكرها سبق في آية 126 ، (لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ) أي ولا يُمهَلون في عالم البرزخ إلى يوم القيامة كغيرهم بل يُعذّبون من وقت موتهم إلى يوم القيامة ثمّ يدخلون جهنّم .

163 - (وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) فلا تعبدوا غيره ولا تقولوا ثلاثة (لاَّ إِلَهَ ) في الكون (إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) .

164 - (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) أي الكواكب السيّارة ومن جُملتها الأرض ، فكلّ آية في القرآن يأتي فيها ذكر السماوات مقرونة بذِكر الأرض ويجمع بينهما واو عطفٍ يريد بها الكواكب السيّارة (وَاخْتِلاَفِ اللّيل وَالنَّهَارِ ) بسبب دوران الأرض حول محورها (وَالْفُلْكِ) أي السُفُن والبواخر (الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ) للسَفَر وحمل البضائع من قُطرٍ إلى آخر (وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ ) أي من الطبقات الغازيّة (مِن مَّاءٍ ) هو المطر (فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ ) بالنبات والثمر (بَعْدَ مَوْتِهَا ) أي بعد جدبها (وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ) أي ونشرَ في الأرض من أجناس الحيوان والإنسان ، فالدابّة إسمٌ لكلِّ حيوان يدبّ على الأرض ، يعني يسير عليها (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) أي اختلاف الرياح من جهةٍ إلى جهة (وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ) السماء على الإفراد يريد بها الطبقات الغازيّة الّتي فوق الهواء ، والسحاب يكون بين السماء وبين الأرض ، وهو بخار يرتفع من البحار والأنهار بواسطة حرارة الشمس ، ثمّ يكون مطراً بسبب برودة الجوّ ، كلّ هذه (لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي كلّ هذه المخلوقات لعلامات ودلالات لقوم يعقلون بأنّ لها خالقاً خلقها وحكيماً قادراً صنعها وأتقن صُنعها فهي تجري بنظام آلاف السنين ولم تتبعثر .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم