كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 163) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

163 - (وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) فلا تعبدوا غيره ولا تقولوا ثلاثة (لاَّ إِلَهَ ) في الكون (إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) .

164 - (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) أي الكواكب السيّارة ومن جُملتها الأرض ، فكلّ آية في القرآن يأتي فيها ذكر السماوات مقرونة بذِكر الأرض ويجمع بينهما واو عطفٍ يريد بها الكواكب السيّارة (وَاخْتِلاَفِ اللّيل وَالنَّهَارِ ) بسبب دوران الأرض حول محورها (وَالْفُلْكِ) أي السُفُن والبواخر (الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ) للسَفَر وحمل البضائع من قُطرٍ إلى آخر (وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ ) أي من الطبقات الغازيّة (مِن مَّاءٍ ) هو المطر (فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ ) بالنبات والثمر (بَعْدَ مَوْتِهَا ) أي بعد جدبها (وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ ) أي ونشرَ في الأرض من أجناس الحيوان والإنسان ، فالدابّة إسمٌ لكلِّ حيوان يدبّ على الأرض ، يعني يسير عليها (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) أي اختلاف الرياح من جهةٍ إلى جهة (وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ ) السماء على الإفراد يريد بها الطبقات الغازيّة الّتي فوق الهواء ، والسحاب يكون بين السماء وبين الأرض ، وهو بخار يرتفع من البحار والأنهار بواسطة حرارة الشمس ، ثمّ يكون مطراً بسبب برودة الجوّ ، كلّ هذه (لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) أي كلّ هذه المخلوقات لعلامات ودلالات لقوم يعقلون بأنّ لها خالقاً خلقها وحكيماً قادراً صنعها وأتقن صُنعها فهي تجري بنظام آلاف السنين ولم تتبعثر .

165 - (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ ) يعني يتّخذ أضداداً وأمثالاً من الناس أو من الجماد يُحبّهم كحُبّهِ لله . فالمسلمون اليوم عبدوا قبور المشايخ والأئمّة وصاروا يُحبّونهم كما يُحبّون الله ، والنصارى عبدوا المسيح واُمّه وتماثيلهما وصاروا يحبّونهم أكثر من حُبّهم لله ، واليهود عبدوا العجلَ والبعلَ وعشتاروث والشِّعرى اليمانيّة وكانوا يحبّونهم كما يُحبّون الله ، والعرب في زمن الجاهليّة عبدوا الملائكة وتماثيلها وكانوا يحبّونهم كحبّهم لله (وَالّذينَ آمَنُواْ ) بمحمّد (أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ) لا تميل قلوبهم إلى الأنداد ولا إلى غيرها (وَلَوْ يَرى الّذينَ ظَلَمُواْ ) يعني ولو يرى المشركون أصحابَهم الّذينَ ماتوا قبلهم (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ) يعني حين رأوا العذاب في عالم الأرواح كيف كان حالهم وكيف ندموا على اتّخاذهم الأنداد ، فلو رأوهم الأحياء لأيقنوا (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ) وأنّ أندادهم لا قوّةَ لها ولا قدرةَ لها على شيء ولا تملك الشفاعة (وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) يعني ويوقنون حينئذٍ بأنّ الله شديد العذاب لمن أشرك بهِ واتّخذ لهُ أنداداً . ثمّ ذكر سوء حال هؤلاء الّذينَ اتّخذوا الأنداد فقال تعالى :

166 - (إِذْ تَبَرَّأَ الّذينَ اتُّبِعُواْ ) وهم القادة ورؤساء الدِين والعلماء (مِنَ الّذينَ اتَّبَعُواْ ) يعني من تابعيهم ومُقلّديهم في مذهبهم ، والمعنى : إنّ رؤساء الدِين كالأحبار والرهبان والبطاركة والقسّيسين وعلماء الإسلام الّذينَ هم على ضلال واتّبعتهم أقوامهم وأبناء جلدتهم على ضلالهم إذا رأوا العذاب في عالم البرزخ فإنّهم يتيرّؤون من أتباعهم وينكرون عليهم تقليدهم ، فيقولون لهم إنّنا لم نُجبرْكم على تقليدنا بل مجرّد أن دعوناكم أطعتمونا في منهجنا ومذهبنا ، فإنّ الله أعطاكم عقلاً وبصراً وبصيرةً فلم تستعملوها فلا تلومونا ولوموا أنفسكم (وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ ) بأبصارهم (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ) أي أسباب النجاة من العذاب ، فليس لهم حيلة ولا وسيلة للنجاة من العذاب .

167 - (وَقَالَ الّذينَ اتَّبَعُواْ ) أي المقلِّدون التابعون لرؤساء الدِين (لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ) أي لو أنّ لنا رجعة إلى الدُنيا (فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ) في الدُنيا (كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا ) في الآخرة (كَذَلِكَ) أي كما وعدهم الله في الدُنيا بأنّ الأعمال الصالحة إن كانت لغير الله فلا يؤجَرون عليها بل يُعاقَبون (يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ ) في الآخرة (حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) فحينئذٍ يقولون يا ليتنا لم نُنفق أموالنا في سبيل الملائكة ولا في سبيل المسيح ولا في سبيل المشايخ والأئمّة ، فلو أنفقناها في سبيل الله لأعطانا الله أجرنا وزادنا من فضله ، ولو جعلنا أعمالنا خالصة لوجه الله لم نشرك بها أحداً من عبادهِ لتقبّلها الله منّا وآجَرَنا عليها . وهكذا يندمون على ما فاتهم حيث لا ينفعهم الندم . وإنّما جاء سير الكلام على الماضي بقوله تعالى (إِذْ تَبَرَّأَ) وقوله (وَقَالَ الّذينَ اتَّبَعُواْ ) يعني كان هذا مصير الماضين الّذينَ قلّدوا رؤساء دينهم واتّبعوهم في مذهبهم ، وسيكون مصير الحاضرِين كمصيرهم إن قلّدوا رؤساء الضّلال في نهجهم .

168 - كانت بعض العرب تحرّم على أنفسها لحمَ بعض الأنعام وذلك ما يُسمّونَها بالبحِيرة والسائبة والوصِيلة ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ ) من الأنعام (حَلاَلاً) أي أحلَلناه لكم ولم نحرّمهُ ، ومع كونه حلالاً فهو (طَيِّباً) أيضاً أي يُستطاب في المأكل فلماذا تحرّمونه ؟ (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) بتحريم الأنعام ، وهذا مثَل يُضرَب في الإتّباع والتقليد ، والخطوة في الأصل هي ما بين قدمَي الماشي ، يُقال "فلان يتبع خطوات زيد" أي يقتدي بهِ ، (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) أي ظاهر العداوة .

169 - (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ ) أي بالأعمال السيئة ، فكلّ معصية عادةً تكون عاقبتها سيئة (وَالْفَحْشَاء) أي ويأمركم بالزِنا واللِّواط (وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) من تحريم شيء وتحليل شيء آخر ، فتقولون إنّ الله حرّمَ علينا السائبة والوصِيلة والبَحِيرة وغير ذلك ، وما هذه إلاّ من أوامر الشيطان أمركم بها .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم