كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 170) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

170 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ) أي للمشركين من العرب (اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ ) في القرآن من أحكام (قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ) أي ما وجدنا عليه آباءنا من تقاليد وعادات ، فقال الله تعالى (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) إلى الصواب ، فلو كانوا يعقلون ما عبدوا الأحجار .

171 - (وَمَثَلُ الّذينَ كَفَرُواْ ) في عنادهم وامتناعهم عن الإيمان (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ ) أي بالذي لا يَسمعُ ، يُقال "نعق الراعي بالغنم" إذا صاح بها زجراً ، ومن ذلك قول الأخطل فَانْعَقْ بِضَأنِكَ يا جَريرُ فَإِنَّما مَنَّتْكَ نَفسُكَ في الخَلاءِ ضَلالا وقال عنترة : يا عَـبْلَ كَم تَنعقُ غِربانُ الفَلا قد مَلَّ قلبي في الدُجَى سَماعَها والذي نعقَ بما لا يَسمع هو إبراهيم الخليل (ع) ، وذلك لَمّا قدّم الطعام إلى الأصنام فقال [ كما في سورة الصافات] : {أَلَا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ . فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } ، والمعنى : يقول الله تعالى : مثَلُكَ يا محمّد مع هؤلاء الكافرين وكلامك معهم كمثَل إبراهيم ونعقهِ بالأصنام التي لا تسمع ولا تفهم ، فكذلك المشركون لا يسمعون ما تقول لهم عِناداً منهم وتكبّراً (إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً ) يعني لم يكن كلامك يا محمّد مع هؤلاء المشركين إلاّ دعاءً ونداءً ذهب أدراج الرياح ، لأنّهم (صُمٌّ) عن استماع الحقّ (بُكْمٌ) عن النطقِ بهِ (عُمْيٌ) عن النظر إلى الآيات والبراهين (فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) لأنّهم مقلِّدون ، والمقلِّد لا يستعمل عقله .

172 - (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) مفهومة .

173 - (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ) وهو ما يموت من الأنعام (وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ ) لأنّه من الخبيث (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ ) "الإهلال بالشيء" هو الفرح به ، ومن ذلك قولهم أهلاً وسهلاً ، وسمّي الهلال هِلالاً لأنّهم يفرحون عند رؤيتهِ ،
وفي ذلك قال الشاعر : يُبَشِّرُنِي الهلالُ بنقصِ عُمْرِي وأفرحُ كلّما هلَّ الهلالُ
وقال يزيد : لَأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُّوا فَرَحاً ثمّ قَالُوا يا يَزِيدُ لا تَشَلْ
ومِمّا يفرحون بهِ ذبيحة السلامة وذبيحة النذور ، وكان المشركون يذبحون تلك الذبائح للأصنام ، فإنّ الله تعالى حرّم ذبحها للأصنام وحرّم أكل لحمها . والمعنى : وحرّم عليكم ماذُبِحَ لغير الله (فَمَنِ اضْطُرَّ ) إلى أكل بعض هذه المحرّمات من اللّحوم ضرورةً أو مجاعةً (غَيْرَ بَاغٍ ) اللّذة (وَلاَ عَادٍ ) يعني ولا مُعتدٍ على ما نَهَى الله عنهُ (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) في الأكل إذا كانت مرّة واحدة (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ) للمُضطرِّين (رَّحِيمٌ) بالمساكين . أقول : واليوم أصبحت أكثر فِرق الإسلام تأكل مِمّا ذُبِح لغير الله ، وذلك لحم النذور وغيره ، فينذرون للأئمّة والمشايخ والأنبياء ثمّ يوزّعون لحمها على الناس فيأكلونهُ ، وهذا لا يجوز ولحمها حرام على من يأكلهُ كلحم الخنزير لأنّها ذُبِحت لغير الله . ولا يجوز النذر لغير الله ولو كان ذلك للنبيّ محمّد (ع) ، وكذلك أكل الخبز الذي يوزّع باسم العبّاس فيسمّى "خبز العبّاس" وكذلك السكّريات الّتي توزّع باسم الأئمّة والمشايخ نذراً ، فكلّ هذه الأشياء مُحرّمة ولا يجوز توزيعها ولا أكلها .

174 - ثمّ عادَ سُبحانهُ إلى ذمّ علماء اليهود وغيرهم الّذينَ يغمضون أعينهم عن الحقّ ولا يرشدون قومهم إلى الصواب ، يرَون قومهم يتخبّطون في الضلال وفي نهج الإشراك فيسكتون على ما يشاهدون منهم كأنّهم لا يعلمون ، وذلك خوفاً من أن يمقتهم قومهم إن صرّحوا لهم بالحقّ وكشفوا لهم عن الحقيقة ، وخوفاً من أن يقطعوا عنهم الهدايا ويمنعوا عنهم الأموال التي يحصَلون عليها باسم الدِين وخوفاً على الرئاسة الّتي هم فيها ، فقال تعالى (إِنَّ الّذينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ ) أي من الكتب السماويّة من أمر التوحيد والنهي عن الإشراك ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً ) أي يستبدلون بذلك من مال الدُنيا الذي هو قليل بالنسبة للآخرة (أُولَـئِكَ ) الّذينَ كتموا الحقّ ولم يصرّحوا بهِ (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ ) ، ومعناه أنّ أكلهم في الدُنيا من مال الحرام يؤدّي بهم إلى النار في الآخرة ، كقوله تعالى في أكل مال اليتيم في سورة النساء {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } ، (وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) بل يكلّم المتّقين بالتهنئة بدخول الجنّة (وَلاَ يُزَكِّيهِمْ) من الذنوب أي ولا يغفر ذنوبهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي مؤلم موجع .

175 - (أُولَـئِكَ) العلماء الّذينَ سبق ذكرهم (الّذينَ اشْتَرَوُاْ ) أي استبدلوا (الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ) لأنّهم سكتوا على أعمال قومهم السيئة ولم يرشدوهم إلى الصلاح وكانوا قادرِين على إصلاحهم ولم ينهَوهم عن الإشراك خوفاً من أن يمقتوهم ولا يعطوهم من المال والدنانير (فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) يعني لو أنّهم ذاقوا عذاب تلك النار دقيقة واحدة لتركوا المال والرئاسة وصاروا يطلبون الآخرة .

176 - (ذَلِكَ) العذاب جزاؤهم (بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) أي نزّل الكتُب السماويّة بدين الحقّ وهو دين التوحيد ، فكلّها تدعو إلى عبادة الله وحده وتنهَى عن عبادة الأوثان والأصنام ، ولكنّهم بدّلوا وغيّروا ما أنزل الله من الأحكام والشرائع واختلفوا فيها (وَإِنَّ الّذينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ ) أي في أحكام الكتاب ، وهم علماء الدين وقادته (لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) أي لفي اختلاف وجدال فيما بينهم بعيد عن الصواب .

177 - لَمّا كثر الكلام بين المسلمين واليهود في شأن القِبلة نزلت هذه الآية (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) "البرّ" هو عمل الخير ، والمعنى : ليس عمل الخير خاصّاً بالتوجّه نحو القبلة سواءً مكّة كانت أو بيت المقدس (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ ) وحده ولم يشركْ به (وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) أي وآمَنَ بيوم القيامة وقد سبق شرحه في آية 126 (وَالْمَلآئِكَةِ) أي وآمنَ بالملائكة أنّهم عباد الله لا بناته كما يزعم المشركون من العرب (وَالْكِتَابِ) أي وآمنَ بالكتب السماوية كلّها (وَالنبيّينَ) أي وآمنَ بجميع الأنبياء لا ينكر أحداً منهم (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ) أي وأنفق من ماله على حُبّ الله وفي سبيل الله ، أمّا إذا أعطى من ماله على حبّ المخلوقين فليس ذلك من أعمال البِرّ بل هو نوع من الإشراك ، ومن ذلك الوقف ، فوقف الأملاك للأئمّة والمشايخ لا يجوز لأنّه نوع من الإشراك ، فعمل البِرّ هو أن تؤتي المال على حُبّ الله إلى (ذَوِي الْقُرْبَى ) أي إلى الفقراء من أقربائك (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ ) يعني الأيتام والمحتاجين (وَابْنَ السَّبِيلِ ) يعني المسافر المنقطع به والغريب عن وطنه والضيف (وَالسَّآئِلِينَ) أي الطالبين للصدقة ، لأنّه ليس كلّ مسكين يطلب (وَفِي الرِّقَابِ ) الرقاب جمع رقبة ، يعني ويعطي المال في فكّ الرقاب من الأسر ، كقوله تعالى في سورة البلد {فَكُّ رَقَبَةٍ } ، وكذلك عِتق العبد (وَأَقَامَ الصَّلاةَ ) أي واظبَ عليها وأدّاها بوقتها (وَآتَى الزَّكَاةَ ) أي وأعطى زكاة ماله (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ ) يعني العهود والنذور التي بينهم وبين الله تعالى ، والعقود التي بينهم وبين الناس ، وكلاهما يلزم الوفاء بهِ (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء ) "البأساء" هي الشدّة والبائس هو الفقير ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الحـج { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } أي الّذي أصابته الشدائد بسبب الفقر ، و"الضرّاء" هي المرض ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } . (وَحِينَ الْبَأْسِ ) يعني والصابرينَ وقت الحرب وقتال الأعداء أعداء الدِين (أُولَـئِكَ الّذينَ صَدَقُوا ) بقولهم آمنّا ، وإنّهم أبرار (وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) حقّاً ، أي الّذينَ اتّقَوا نار جهنّم بفعل هذه الخِصال الحميدة .

------------------------------------

26 :لم يَرِد في أيّ كتاب من كتب التفسير ، ولا في أيّ كتاب سواها مَن وضّح المقصود من كلمة (الَّذِي) مطلق ، غير سماحة المؤلّف ، فهو أوّل من وضّحه . – المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم