كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 179) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

179 - (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) يعني في وجوب القصاص حياة ، لأنّ من همّ بالقتل فذكر القصاص ارتدع فكان ذلك سبباً للحياة (يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ ) أي يا ذوي القلوب الواعية . "اللّبّة" في الصدر ما بين الثديين ، وجمعها لُبّات وألباب ، والشاهد على ذلك قول ذي الرمّة تُرِيكَ بياضَ لَبَّتِها ووَجْهاً كقَرْنِ الشمس أَفْتَقَ ثم زَالا فقول الشاعر " تُرِيكَ بياضَ لَبّتِها" أي تريك صدرها وما بين نهديها . وقال الآخر : أتَنسَونَني يومَ الشريعةِ والقَنا بِصِفِّينَ في لبّاتِكم تتكسّرُ يعني تتكسّر القنا في صدوركم من كثرة الطعن فيها . ولَمّا كانت القلوب في الصدور صاروا يكنّون عنها بالألباب ، ومن ذلك قول عنترة : يا عبلُ حبّكِ سالِبٌ ألبابَنا وعقولَنا فتعطّفي لا تَهجُرِي فقول الشاعر " سالِبٌ ألبابَنا وعقولَنا" يعني قلوبنا وعقولنا . وقال الأعشى : أرَى سَفَهـاً بالمـرءِ تَعْلِيـقَ لُبّـهِ بِغانِية ٍخـودٍ متـَى تَـْدنُ تَبْعُـدِ فقول الشاعر " تعليـقَ لبّـهِ" يعني تعليق قلبهِ . وقد ذكر الله سبحانهُ الصدور كناية عن القلوب في آيات كثيرة من القرآن فقال تعالى في سورة آل عمران {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } يعني عليمٌ بالقلوب الّتي في الصدور ، وقال تعالى في سورة المائدة {وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، وقال تعالى في سورة يونس {قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ } أي شفاءٌ للقلوب الّتي في الصدور . وقوله (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي لعلّكم تتجنّبون القتل بفعل القصاص .

180 - ثمّ أمرَ سبحانه بأنّ الغنيّ إذا حضرته الوفاة فليوصِ لوالديهِ ولأقربائهِ الفقراء بأن يعطوهم من المال المنقول زيادة على حصّتهم فقال (كُتِبَ عَلَيْكُمْ ) أي فُرِض عليكم (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) يعني إذا دنا وقت موته (إِن تَرَكَ خَيْرًا ) أي تركَ مالاً كثيراً (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ ) أي فعليه أن يوصي لوالديهِ وأقاربه الفقراء سواء كانوا وارثيه أم غير وارثيه ، لأنّ هذه الوصية جُعالة غير الإرث وخاصة للفقراء منهم ، وذلك بأن يعطيهم الوصيّ من المال الموروث يعني من النقود أو الأطعمة كالحنطة والتمر والزبيب وغير ذلك على مقدار ما أوصى به الميّت (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالشيء المناسب لهم وذلك بأن يعطي للمحتاج منهم أكثر من غيره (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) أي حقاً واجباً على من آثر التقوى .

181 - (فَمَن بَدَّلَهُ ) أي فمن بدّل كلام الموصي ، يعني بدّل الوصية (بَعْدَمَا سَمِعَهُ ) من الموصي (فَإِنَّمَا إِثْمُهُ ) أي إثم التبديل (عَلَى الّذينَ يُبَدِّلُونَهُ ) من الوصيّ والشهود ، يعني على الّذينَ يبدّلون وصية الميّت ، إلا إذا أوصى الميّت بشيء مُحرّم أو فيه إشراك أو فيه تبذير فعلى الوصي تبديلهُ إلى شيء فيه رضاً لله وأجرٌ للميّت . وقد سمعتُ أنّ بعض الناس في أوربا أوصَى جميع واردات أملاكه تصرف على كلبه . وهذا تبذير إن لم يكن للميّت أقرباء يرثونه ، وإن كان له أقرباء فوصيّته باطلة إلاّ أن يُصرَف شيء قليل على الكلب والباقي لأقربائه ، (إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ ) لأقوالهم (عَلِيمٌ) بأفعالهم .

182 - (فَمَنْ خَافَ ) أي فمن خشيَ (مِن مُّوصٍ ) أي من الموصي ، وذلك عند وصيّتهِ قبل مماتهِ (جَنَفًا) أي ميلاً عن الحقّ فيما يوصي به لأقربائه ، ومن ذلك قول الأخطل : إني قَضَيْتُ قضاءً غيرَ ذي جَنَفٍ لَمَّا سَمِعْتُ ولَمّا جاءَني الخَبَرُ وقال الآخر : إِنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عَامِرٍ ضَيْمِي وقد جَنفَتْ عَلَيّ خُصُومُ وقال الأعشى يصف ناقتهُ : وزَوْراً تَرى في مِرْفَقَيْه تجانُفاً نَبِيلاً كبيتِ الصَّيْدَلانِيِّ دامِكا وقال عديّ بن زيد : واُمُّكَ يا نُعْمانُ في أخَواتِها يَأتِينَ ما يَأتِينَهُ جنفَا (أَوْ إِثْمًا ) الإثم أن يكون الميل عن الحقّ على وجه العمد ، و"الجنَف" أن يكون الميل على وجه الخطأ من حيث لا يدري (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ) أي فأصلح ذلك الشخص الحاضر عند المريض الّذي حضرته الوفاة وقت وصيّته فأصلح بين المريض وأقاربهِ ، بأن يقول له إنّ فلاناً من أقربائك وهو فقير فلا تنسَه ، وفلان يتيم وهو من أقربائك فاجعل له جُعالة ، وزيد محتاج فأعطِ زيداً أكثر من عمرو ، فهذا الرجل المصلِح (فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) بل يؤجَر على ذلك (إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ) يغفر للميّت إذا أوصى لوالديه وأقاربه الفقراء والأيتام والأرامل (رَّحِيمٌ) بالفقراء إذْ جعل لهم جُعالة وأوصَى لهم بالزكاة . تعريف للمُستحضر أن يوصي بثلث من ماله ليصرف بعد وفاته ، أو يهب منه إلى أقربائه أو غيرهم من الفقراء قبل موته والباقي من الثلث يُصرَف بعد وفاتهِ على إطعام الفقراء والأيتام أو كسوتهم أو غير ذلك مِمّا أوصى به الميّت وليس للمُستحضر أن يهب لأحد أو يوصي بالإنفاق من ماله بعد موته أكثر من الثلث إن كان له أولاد ، ولا يجوز للوصي أن يتصرّف بأموال الميت برأيه ، ويجب أن يقام على الوصي ناظر لئلاّ يخون الوصية فيأكل من مال الأيتام ، ويجب أن يكون الناظر من أقرباء الميّت لا من أقرباء الوصي ، وإذا لم يوجد أحد من أقرباء الميّت أو من الورثة فمن غيرهم ولا يجوز أن يكون الناظر أبا الوصيّ أو أخاه أو ابنه لئلاّ يتّفق مع الوصيّ على أكل مال الأيتام . وإذا زاد من الثلث عند الوصيّ بعد العمل بالوصيّة يجب أن يعاد للورَثة حتّى يبلغوا رشدهم ، أمّا البالغ وصاحب الحقّ من الورَثة له أن يتصرّف في حقّهِ كيف يشاء وليس للوصيّ حقٌّ عليه إلاّ إذا أرادَ أن يُنفق حقّه في المحرّمات .

183 - (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذينَ مِن قَبْلِكُمْ ) كاليهود والنصارى وغيرهم (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي لكي تتّقوا الأمراض بفعل الصوم . وقد رُويَ عن النبيّ (ع) أنّهُ قال : "صوموا تصحّوا" . والصوم يُهذّب النفس ويعوّدها الصبر وتجنّب المحرّمات وبهذا تتّقي النفس عذاب الله .

184 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ مدّة الصيام فقال (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ) وهي أيّام شهر رمضان ، وإنّما سمّاها معدودات لأنّ الشهر القمري قد يكون 29 يوماً أو 30 يوماً ولا يكون أكثر من ذلك ، وكانت العادة عند العرب أنّهم يعدّون الدراهم إذا كانت تحت الثلاثين وإذا زادت عن ذلك العدد يزِنونَها وزناً لمن يقترض منهم (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ) وهنا حذفٌ في الكلام والتقدير : فمن كان مريضاً أو على سفر وكان لا يطيق الصوم فعدّة من أيّامٍ اُخَر . يدلّ على ذلك قوله تعالى {وَعَلَى الّذينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ } . (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) أي فليفطر تلك الأيام التي مرض بِها أو سافر فيها ثمّ يصوم بدلها في وقت آخر (وَعَلَى الّذينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ) أي وعلى الّذينَ يمكنهم الصيام من المرضى والمسافرين فدية إذا أفطروا ولم يصوموا . فالإطاقة معناها التمكّن ، ومن ذلك قول عنترة : أدافِعُ الحادِثاتِ فيكِ ولا أطيقُ دفعَ القضاءِ والقدَرِ وقال أيضاً : وكيفَ أطيقُ الصبرَ عمّن أحبّهُ وقد أُضْرِمَتْ نارُ الهوَى في أضالِعِي ثمّ بيّنَ سُبحانهُ مقدار الفدية فقال (طَعَامُ مِسْكِينٍ ) أي إطعام مسكين واحد عن كلّ يوم من إفطاره ، وذلك بأن يُعطي نصف صاع من الحنطة عن كلّ يوم أو يعطي ثمنها وهو ما يُساوي ربع دينار في الوقت الحاضر [في العراق في الستينات من القرن العشرين ] ، أو يدعو أحد الفقراء إلى بيته فيطعمهُ غداءً أو عشاءً بدل إفطاره ليوم واحد (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ) أي فمن أطعم أكثر من مسكين (فَهُوَ) أي التطوّع (خَيْرٌ لَّهُ ) عند ربّه ، يعني للمتطوّع (وَأَن تَصُومُواْ ) أيها المرضى والمسافرون الّذينَ تطيقون الصيام (خَيْرٌ لَّكُمْ ) من الإفطار ودفع الفدية (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) منافع الصوم للصحة والجزاء في الآخرة . من فوائد الصوم قال الطبيب صبري القباني في كتابه (طبيبك معك ) في صفحة 88 من الطبعة الخامسة في علاج الضغط : "ومن النصائح الهامّة الّتي تُسدى إلى المصاب بارتفاع التوتّر الشرياني أن يصوم يوماً واحداً في كلّ أسبوع ويقتصر غذاؤه في هذا اليوم على الأغذية النباتيّة الصِرفة وعلى السَلَطات ، مع الإقلال من الملح والسوائل ... فذلك مِمّا يُساعد الجسم على طرح ما تراكم فيهِ من سموم خلال الأسبوع ، ويمنح الكبد فرصة زمنيّة يُجدّد بها نشاطهُ وفعّاليّتهُ ." ويباح الإفطار للمسافر ما دام في الطريق ، فإذا وصل المدينة أو القرية الّتي قصدها فعليهِ أن يمسك عن الطعام والشراب إلى اللّيل ، وإذا أقامَ فيها فعليه أن يصوم ولو أقام يوماً واحداً ، ولا يباح له الإفطار إلاّ إذا سافر إلى غيرها ، هذا حكم المسافر السالم من الأمراض ، والدليل على ذلك قوله تعالى في آخر هذهِ السورة {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ } يعني إذا تداينتم في الطريق قبل أن تصلوا المدينة ، لأنّ في المدينة كثيراً من الكتبة يكتبون لكم ورقة الدَّين . وكذلك المسافر إن كان لا يطيق الصيام بسبب الحرّ إن كان الصوم وقت الصيف أو كان ماشياً على قدميهِ ولا يمكنهُ أن يصوم بسبب التعب ، أو كان في الحرب أو غير ذلك من الأسباب الّتي يصعب عليه الصيام فيها ، فيباح له الإفطار ثمّ يصوم بدلها عند رجوعهِ إلى بلده إذا رجع وعند الإمكان إذا لم يرجع . والمريض يباح له الإفطار إن كان لا يطيق الصيام ، ثمّ يصوم بدل ما أفطر عند الصحة . أمّا المريض الّذي يمكنه الصيام وأراد الإفطار فعليه دِيَة الإفطار ويصوم بدلها عند الصِحّة . أمّا المسافر الذي يتمكّن من الصيام لزوال تلك الأسباب الّتي تعيقه عن الصيام وأفطر فعليه دِية الإفطار إذا أفطر ويصوم بدلها عند رجوعه إلى بلده وعند الإمكان إذا لم يرجع .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم