كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 18) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

18 - (صُمٌّ) عن استماع الحقّ (بُكْمٌ) عن النطق بهِ (عُمْيٌ) عن رؤيتهِ (فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ) عن غيّهم ، أي لا يتراجعون عن عاداتهم السيّئة . فالأصمّ هو الأطرش ، والأبكم هو الأخرس .

19 - ثمّ ضرب الله تعالى فيهم مثَلاً آخر فقال (أَوْ) مثَلهم (كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء ) أي كأصحاب الصيّب ، وهو السحاب الكثير الصّوب ، والصّوب هو المطر الشديد ، ومن ذلك قول الحسين (ع ) : "بين أناسٍ لا سُقوا صوبَ الْمُزُن" . والشاهد على ذلك قول النابغة : سِتَّةُ آبائِهـِمُ ما هـُـمُ؟ هُمْ أَفْضَلُ مَنْ يَشْرَبُ صَوْبَ الغَمامْ وقالت الخنساء : أسْقَى بِلاداً ضُمِّنَتْ قَبْرَهُ صَوْبُ مَرابيعِ الغُيوثِ السَّوارْ وقال عنترة : فَسَقى الله لياليكِ التي سَلفتْ صَوْبَ السّحابِ الهَطِلِ وقال طَرَفة : فَسَقَى بِلادكَ غيرَ مُفسِدِها صَوْبُ الغَمامِ ودِيمَةٌ تَهْمِي وقال النابغة : عَفا آيَهُ صَوْبُ الجَنُوبِ مع الصَّبَا بأَسْحَمَ دانٍ مُزْنُهُ مُتَصَوِّبُ يعني مُتصبّب كثير الماء . والمعنى : أو مثَلهم كمثل قومٍ أخذتهم السماء بالسحاب والمطر والظُلمة والبرق والرعد ليخوّفهم الله بالصواعق ويردعهم بالأمطار والرعود كي يرجعوا عن غيّهم ويتركوا طلبتهم الّتي ساروا خلفها يطلبونها ولكنّهم لم يرتدعوا بتلك الحوادث ولم يرجعوا عن غيّهم بل أخذوا يسيرون عند إنارة البرق ويقيمون عند الظُلمة لأنّ سفرهم كان ليلاً ، وذلك قوله تعالى [ في الآية التالية] : {كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ } وهم قوم فرعون ساروا في طلب موسى وقومه وكان مسيرهم ليلاً ، فردعهم الله تعالى بالمطر والرعد والبرق والصواعق فلم يرتدعوا بل ساروا في طلبهم حتّى أدركوهم صباحاً فأغرقهم الله في البحر وأهلكهم جزاءً لعنادهم ، فكذلك المنافقون من قومك يا محمّد إن لم يرجعوا عن غيّهم ويصلحوا أعمالهم فإنّ الله يُهلكهم كما أهلك فرعون وجنده ، وذلك قوله تعالى (فِيهِ) أي في ذلك الصيّب يعني السحاب (ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم ) الضمير يعود لأصحاب الصيّب وهم قوم فرعون (مِّنَ الصَّوَاعِقِ ) أي من شِدّة الصواعق وأصوات الرعد (حَذَرَ الْمَوْتِ ) أي خوفاً من أن يموتوا (واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ) يعني لا يفوتونه مهما لزموا الحذر .ومن ذلك قول الشاعر : أَحَطْنَا بِهِمْ حتَّى إِذَا مَا تَيَقَّنُوا بِما قَدْ رَأوا مَالُوا جَميعاً إلى السِّلْمِ

20 - (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) أي يضرب أبصارهم فتعمى عيونهم ، وذلك لشدّة وميضهِ ، ثمّ تكون ظلمة شديدة فهم بين ضياء قوي وظلمة شديدة كادت عيونهم تعمى بسبب النقيضين (كُلَّمَا أَضَاء لَهُم ) البرق (مَّشَوْاْ فِيهِ ) أي مشَوا بضوئهِ (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ) أي أقاموا في مكانهم (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ) لكي يُعيقَهم عن اللّحاق بموسى (إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ولكن لم يذهب بسمعهم وأبصارهم كي يُغرقَهم في البحر جزاءً لعنادهم

21 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ ) خلقَ (الّذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) أي لكي تتجنّبوا عقابه .

22 - (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ) أي مفروشة بطبقةٍ ترابيّة صالحة للإنبات وللسُكنَى (وَالسَّمَاء بِنَاءً ) "البناء" معناه التراصف ، و"السماء" هي الطبقات الغازيّة ، والمعنى : رفع الطبقات الغازيّة الواحدة فوق الاُخرى فجعل الغازات الخانقة خفيفة الوزن فارتفعت وجعل الغازات النافعة أثقل منها فانخفضت (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً ) هو المطر (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً ) أي أمثالاً وأضداداً تعبدونهم وتحبّونهم كحُبّكم لله ، والشاهد على ذلك قول حسّان :
أَتَهْجُوهُ ولستَ لهُ بندٍّ      فَشَرُّكُما لِخيرِكُما الفِداءُ
وقال جرير : أتيْمٌ تَجعَلونَ إليّ ندّاً   وهلْ تيمٌ لِذي حَسَبٍ نَدِيدُ
وقال يمدح قوماً : فما وَجَدتُ لكمْ نِدّاً يُعادلُكمْ      وما عَلِمْتُ لكمْ في الناسِ مِنْ خَطَرِ
(وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) بأنّ الّذي رزقكم من الثمرات هو الله وحده وليس الأنداد .

23 - (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ ) أي في شكٍّ (مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ) محمّد (فَأْتُواْ بِسُورَةٍ ) (مِّن مِّثْلِهِ ) يعني من مثل القرآن فصاحةً وبلاغة ، والخطاب للمشركين من العرب (وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم ) جمع شهيد وهو الجليس الذي تُجالسه ، والمعنى : وادعوا رؤساءكم الّذينَ اتّخذتموهم أولياء (مِّن دُونِ اللّهِ ) ليُساعدوكم على إتيان سورة مثل سور القرآن (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) في قولكم بأنّ محمّداً افتراهُ . ونظيرها في سورة يونس قوله تعالى {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .

24 - (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ ) يعني فإن لم تأتوا بسورة من مِثلهِ وعجزتم عن ذلك فاتّقوا النار بالإيمان ، ثمّ قال تعالى (وَلَن تَفْعَلُواْ ) يعني ولا يُمكنكم أن تأتوا بسورة مثل سوَر القرآن ولو اجتمعتم لأجلها . ومِمّا يؤيّد ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } ، وقوله (فَاتَّقُواْ النَّارَ ) يعني آمِنوا لمحمّد كي تتجنّبوا النار ولا تتعذّبوا فيها ، تلك النار (الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ ) يعني تكون الناس لَها مقام الحطب (وَالْحِجَارَةُ) مقام الفرن ، وهي حجارة النيازك ، والنار هي الشمس ، فالشمس تجذب النيازك إليها ، (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) أي هُيّئت لهم وقد شرحتُ عن النيازك في كتابي الكون والقرآن .

25 - (وَبَشِّرِ الّذينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) يعني من تحت أشجارها تجري الأنهار ، ثمّ أخذَ سُبحانهُ يصفُ عيش من دخلها فقال (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ) يعني قالوا هذه الفاكهة الّتي أكلناها في الدُنيا في المكان الفلاني ، لأنّ كلّ ثمرةٍ لها روح أي لها ثمرة أثيريّة تشبه الفاكهة المادّية تمام الشبَه ، فإنّهم أكلوا الفواكه المادّية في الدُنيا فوجدوا الأثيريّات أمامهم في الجنّة فقالوا هذا الّذي رُزِقنا من قبل (وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ) يعني وأتتهم الملائكة بأثمار اُخرى تشبه تلك الّتي رُزِقوا بها في الدُنيا (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ) يعني مطهّرة من النجاسات كالحيض والنفاس والبول والتغوّط لأنّها نفوس أثيريّة لا تبول ولا تتغوّط ولا تَلِد (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي مُخلّدون لا يموتون . وقد سبق تفسيرها في كتابنا  الإنسان بعد الموت ، [تحت عنوان الجنان ] .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم