كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 203) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

203 - (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ) هنّ أيّام التشريق ثلاثة أيّام ، وهي أيّام رمي الجمرات ، والذِكر هو تكبيرات يذكرها الحاج بعد كلّ صلاة في أيّام التشريق ، والتكبيرات هي أن تقول : " اللهُ أكبر اللهُ أكبر لا إلاهَ إلاّ الله واللهُ أكبر اللهُ أكبر وللهِ الحمد ، اللهُ أكبر على ما هدانا والحمدُ للهِ على ما أولانا والحمدُ للهِ على ما رزقنا من بهيمة الأنعام " . وقوله (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ) بالنفر من منَى ولم يُكمل اليوم الثالث (فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) في التعجيل (وَمَن تَأَخَّرَ ) إلى اليوم الرابع (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) في التأخير (لِمَنِ اتَّقَى ) المحارم ، يعني لا يكون تأخيره لسبب دنيوي لا يرضاهُ الله ، فيتأخّر لكي يصيد أو لاُنسٍ وطرب ، أو رأى عدوّاً له هناك فيريد أن ينتقم منه أو غير ذلك (وَاتَّقُواْ اللّهَ ) ولا تعصوا أوامره (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) بعد موتكم فيجازيكم على أعمالكم .

204 - كان رجل منافق يسمّى الأخنس بن شريق ، وهو حلو المنطق ، وكان إذا لقيَ رسول الله ألانَ له القول وادّعَى أنّه يُحبّهُ وأنّه مسلم ، وأخذ يتحدّث معه في أمور دنيويّة ، وقال لهُ : يعلم الله ما في قلبي من المحبّةِ لك والصِدق ، وإذا تولّى عنه جاء إلى قُريش وأخذ في ذمّ النبيّ محمّد وصار يحرّضهم على قتاله ، فنزلت فيه هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ) يا محمّد لأنّك تظنّه صادقاً (فِي الْحَيَاةِ الدُنيا ) أي يعجبك ما يقوله في أمر الدُنيا وشؤونها (وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ) من المحبّةِ لك ، ولكنّه كاذب مُنافق عدوّ (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ) أي شديد العداوة وليس كما يقوله ويدّعيه من المحبّة .ومن ذلك قول ربيعة بن مقروم : وَألدَّ ذِي حَنَقٍ عَليَّ كَأنَّما تَغْلِي عَدَاوَةُ صَدْرِه فِي مِرْجَلِ

205 - (وَإِذَا تَوَلَّى ) عنك يا محمّد وأدبر (سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا ) أي أخذ يعمل بالمكر والخديعة ليوقع العداوة والقتال بين الناس (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ) أي يُهلك الزرع والماشية بسبب الحرب والعداوة ، كما فعل بثقيف حيث كان بينه وبينهم خُصومة فبيّتهم ليلاً وأهلك مواشيهم وأحرقَ زرعهم (وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ) ويمقتُ من يسعَى بهِ .

206 - (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ ) ولا تفسد في الأرض (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ ) أي أوقعتهُ العزّة في الإثم ، يعني حملهُ التكبّر على فعل الإثم ولم يمتنع عن الفساد (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ) أي يكفيهِ عذاب جهنّم (وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) الذي مهّده لنفسه ، يعني بئس المكان جهنّم الّتي اختارها ومهّدها لنفسهِ ثمّ عقّبه بمدح المؤمنين فقال تعالى :

207 - (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ) أي يبيع نفسه فيخاطِر بها ويقتحم الحروب والمهالك والأذى ولا يُبالي ، وذلك (ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ ) أي طالباً بذلك مرضاة الله (وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) الّذينَ يُخاطرون بأنفسهم طلباً لمرضاتهِ .

208 - أسلم قوم من اليهود ثمّ حرّموا على أنفسهم لحم الإبل ، وذلك لِما اعتادوا عليه في اليهوديّة ، فأنزل اللهُ فيهم هذهِ الآية (يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ ) أي في الاستسلام والانقياد لأوامر الله (كَآفَّةً ) أي جميعها ، والمعنى : إنقادوا لجميع أوامر الله فلا تأخذوا بعضها وتتركوا الاُخرى (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) أي ولا تتّبعوا وساوس الشيطان وما يخطّهُ لكم ويمنعكم من أكل لحم الإبل (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) أي ظاهر العداوة .

209 - (فَإِن زَلَلْتُمْ ) يعني فإن مِلتم عن دين الإسلام إلى دينكم القديم (مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ) في القرآن (فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ) في مُلكهِ ينتقمُ مِمّن يعصي أوامرهُ (حَكِيمٌ) في أموره يحكم ما يريد .

210 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في تهديد المشركين والمكذّبين فقال (هَلْ يَنظُرُونَ ) يعني هل ينتظر العذاب هؤلاء المكذّبون بآيات الله (إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ ) بالعذاب (فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ) أي إلاّ أن يبعث الله عليهم العذاب في ظُلَلٍ من السحاب كما بعثَ على قوم شعيب من قبلهم ، والظُلَل جمع ظُلّة وهي السحابة السوداء (وَالْمَلآئِكَةُ) أي وتأتيهم ملائكة العذاب فتقبض أرواحهم (وَقُضِيَ الأَمْرُ ) أي وحينئذٍ ينتهي بهم الأمر فلا توبتهم تُقبل ولا يمكنهم الرجوع إلى الدُنيا ليصدّقوا الرُسُل ويعملوا الصالحات ولا يُنجيهم أحدٌ من عذابنا (وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمور ) الأمر كناية عن المخلوقات الروحانيّة فكلّ قسم منها يسمّى "أمر" وجمعها " اُمور"، والمعنى : إلى الله ترجع نفوس الجنّ والإنس أي أرواحهم وكلّ مخلوق أثيري فيحكم فيها ما يشاء ولا يحكم فيها غيرهُ .

211 - طلبت قُريش من النبيّ (ع) معجزة كعصا موسى وناقة صالح ، وقالوا إن جئتنا بها نُصدّقك ، فنزلت هذهِ الآية (سَلْ) يا محمّد (بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ) أي كم أعطيناهم من معجزةٍ واضحة تدلُّ على صدقِ أنبيائهم فكفروا بها وكذّبوا . فإنّ موسى جاء بالعصا والمعجزات الاُخرى إلى فرعون وقومه فلم يؤمنوا بهِ ولم يُصدِّقوه ، بل كذّبوا بها وقالوا هذا سِحرٌ مُبين ، فانتقمنا منهم وأغرقناهم في البحر . وإنّ عيسى أنبأهم بالمغيّبات وأحيا لهم من الأموات وأبرأ الأكمه والأبرص فلم يؤمن به اليهود بل كذّبوه وقالوا ساحرٌ مُبين . وكذلك باقي الأنبياء كلّ من جاء بمعجزة مادّية فإنّ قومه يكذّبون بها ويقولون هذا سِحرٌ مُبين . وكذلك أنت يا محمّد لو أعطيناك معجزة مادّيةكعصا موسى وناقة صالح لكذّب بها قومك وقالوا هذا سِحرٌ مُبين . والأحسن من ذلك هيَ المعجزات العلمية والأدلّة العقليّة التي أنزلناها عليك فادعُهم إلى الإيمان بِها فهي تؤثّر فيهم أكثر من المعجزات المادّية . وذلك قوله تعالى في سورة النحل {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } . فقوله تعالى (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) يعني إذا لم يطمئنّ قلبك يا محمّد بهذا الجواب فاسأل بني إسرائيل كم آتيناهم من معجزة فكذّبوا بها وأبدلوها بالكفر (وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ ) بالكفران (مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ ) على لسان محمّد ، ويريد بالنِعمة الرسالة فهي نِعمة من الله لمن يتّبعها والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة الضحى {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } أي حدّث الناس برسالتك ولا تخشَ أحداً (فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) لمن جحد بآياته وكذّبَ رُسُلَهُ .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم