كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 217) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

217 - بعث رسول الله سريّة من المسلمين وأمّرَ عليهم عبد الله بن جحش الأسدي وهو إبن عمّة النبيّ وذلك قبل قتال بدر بشهرين ، فانطلقوا حتّى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش ، وذلك في أوّل يوم من رجب ، وكانوا يرَونه من جماد ، فاختصم المسلمون فقال قائل منهم هذه غرّةٌ من عدوّ وغُنمٌ رُزِقتموهُ ولا ندري أمِن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا ، وقال قائل منهم لا نعلم هذا اليوم إلاّ من الشهر الحرام ولا نرى أن تستحلّوهُ لطمعٍ أشفيتم عليه ، فغلب الأمر الّذينَ يُريدون عرَضَ الحياة الدُنيا فشدّوا على ابن الحضرميّ فقتلوه وغنموا عيرهُ ، فبلغ ذلك كفّار قريش فركبَ وفدٌ منهم حتّى قدموا على النبيّ فقالوا أيحلُّ القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل جبرائيل هذه الآية (يَسْأَلُونَكَ) يا محمّد (عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ ) يريد به شهر رجب (قِتَالٍ فِيهِ ) أي هل يباح القتال فيه (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) أي القتال فيه إثمٌ عظيم وذنبٌ كبير (وَ) لكن (صَدٌّ) منكم أيّها المشركون (عَن سَبِيلِ اللّهِ ) أكبر عند الله من القتل في الشهر الحرام ، لأنّ المشركين يصدّون الناس عن دين الإسلام ولا يتركونهم ليؤمنوا (وَكُفْرٌ) منكم (بِهِ) أي بدين الإسلام (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) أي وكفرٌ منكم بالمسجد الحرام ، لأنّهم وضعوا الأصنام فوق الكعبة وكانوا يعبدونها (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ ) يعني أهل المسجد وهم النبيّ والمسلمون (مِنْهُ) أي من المسجد ، يعني إخراج المسلمين من مكّة حين هاجروا إلى المدينة (أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ ) والمعنى : أفعالكم هذه وكفركم بالقرآن وبالمسجد الحرام أعظم عند الله من قتل رجل مشرك في الشهر الحرام (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) أي وإنّ إفتانكم الناس بالكفر وصدّهم عن دين الإسلام أعظمُ وِزراً عند الله من قتل رجل مُشرك . ثمّ أخبرَ سُبحانهُ عن عناد هؤلاء الكفّار وتعنّتهم فقال (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) يعني أهل مكة والخطاب للمسلمين (حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) أي إنْ قدروا على ذلك ، وقد ارتدّ فريقٌ من المسلمين بعد وفاة النبيّ (ع) فقاتلهم أبو بكر فرجع قِسم منهم إلى دين الإسلام ثانية (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ ) يعني إن مات على كفرِه ولم يرجع إلى دين الإسلام (فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُنيا وَالآخِرَةِ ) أي ذهبت أعمالهم التي عملوها وقت إسلامهم أدراج الرياح ، أي خسروا نتائج أعمالهم ، أمّا في الدُنيا فإنّهم أبدلوا حُسن الذِكر والشرف الّذي نالهم في الإسلام بسوء الذِكر والعار الذي نالهم عند ارتدادهم عن الإسلام ، أمّا في الآخرة فقد خسروا الجنّة وأبدلوا مرضاة الله بغضبهِ ، وأبدلوا حسن الذكر بالعار (وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) أي دائمون في النار .

218 - نزلت هذه الآية في قصّة عبد الله بن جحش وأصحابه لَمّا قتلوا إبن الحضرمي في أوّل يوم من شهر رجب ، فظنّ قومٌ أنّهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجرٌ ، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية (إِنَّ الّذينَ آمَنُواْ ) من أهل المدينة (وَالّذينَ هَاجَرُواْ ) من مكّة إلى المدينة (وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ ) في الآخرة بدخول الجنّة (وَاللّهُ غَفُورٌ ) لهم يغفرُ ما مضى من ذنوبهم (رَّحِيمٌ) بهم وبالمؤمنين .

219 - جاء نفر من الصحابة فقالوا يا رسول الله أفتِنا في الخمر والميسر هل يُباحان؟ فنزلت هذه الآية (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ ) وهو كلّ شراب مُسكر (وَالْمَيْسِرِ) وهو القمار (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) أي ذنبٌ عظيم ، فبسببهما تكون أكثر المعاصي وتنتج أكثر الجرائم (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) منفعة الخمر للبايع والصانع وفي الطب كمعقّم ، ومنفعة القمار لبائع السلعة الّتي يلعبون بها وصانعها والرابح الذي يأخذ مال صاحبهِ من غير تعب (وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) أي ما فيهما من الإثم أعظم مِمّا فيهما من النفع ، لأنّ النفع خاصّ لبعض الناس ولكنّ الضرر لكثير منهم ، وإنّ الشارب والمقامر يقترفان بواسطتهما الآثام من وجوه كثيرة (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ) من أموالهم (قُلِ الْعَفْوَ ) "العفو" معناه ترك البدل ، ومن ذلك قول زُهير بن أبي سلمى يمدح رجلاً : هْوَ الْجَوَادُ الَّذِي يُعْطِيْكَ نَائِلَهُ عَفْواً وَيُظْلَمُ أَحْيَانَاً فَيَظْطَلِمُ وَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَةٍ يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرِمُ وقال الفرزدق يمدح رجلاً : وتُعْطِي العُرْفَ عفواً سائليهِ وتُرْوِي الزَّاعِبِيَّةَ في الطّعانِ وقال جرير يهجو بني تيم : ولو تَسْتَعِفُّ التّيمُ أو تُحسِنُ القِرى ولكنَّ تَيْماً لا تَعِفُّ ولا تَقْرِي يعني لا تُعطي من مالها بدون بدل ولا تُقري الضيف . ومعنى الآية يقول الله تعالى إذا أنفقتم فأنفقوا في سبيل الله ولا تطلبوا بهِ بدلاً ولا أجراً من الناس ، فإنّ الله يأجركم عليه . ومِمّا يؤيّد هذا قوله تعالى في سورة الإنسان حاكياً عن المؤمنين قولهم {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا } والإنفاق غير الزكاة الواجبة ، لأنّ الزكاة خاصّة للفقراء ، أمّا الإنفاق فيصرف في الجهاد ولبناء المساجد والمستشفيات الخيرية ودور الضيافة وغير ذلك . وهذا الإنفاق خاصّ بالأغنياء دون الفقراء ، والشرط الوحيد في ذلك أن تجعل إنفاقكَ في سبيل الله لا تُشرك بهِ أحداً من المشايخ والأئمّة والأنبياء ، فإن جعلت إنفاقك في سبيل أحد من المخلوقين أو أشركتهُ مع الله في الإنفاق فلا يُقبل منك إنفاقك ولا تؤجَر عليه . ومثال ذلك ما ينفقه بعض الناس فيبني مسجداً ويكتب على باب المسجد (مسجد وحسينيّة) فيشرك الحسين مع الله في المسجد ، فهذا عمل لا يرضاه الله ولا يتقبّلهُ ولا يأجر صاحبه عليه . (كَذَلِكَ) أي مِثل هذا البيان (يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ ) في المستقبل (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) في مصالح دينكم .

220 - (فِي الدُنيا وَالآخِرَةِ ) أي في شؤون الدُنيا وأعمال صالحة للآخرة . جاء رجل من الصحابة إلى النبيّ فقال يا رسول الله عندي يتيم وله عندي دراهم وأنا أنفق عليه من دراهمه وقريب أن تنفد أيجوز أن أجعلها في حانوتي وأجعله شريكاً معي في الحانوت ليربح منها ولا تنفد دراهمه؟ فنزلت هذه الآية (وَيَسْأَلُونَكَ) يا محمّد (عَنِ الْيَتَامَى ) أي عن أمر اليتامى ومشاركتهم (قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ) أي إعملوا ما هو الصالح لهم ، والمعنى : الكسب لهم خيرٌ من البطالة (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ) في كسبِكم وصناعاتكم فيعملون بأجرة أو تشاركونهم (فَإِخْوَانُكُمْ) في الدِين ، وحقّ الأخ أن يعمل لأخيه ما هو الصالح (وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ ) منكم (مِنَ الْمُصْلِحِ ) للأيتام فيجازي كلاً على عمله (وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ ) "العنَت" هو الذلّ والخضوع والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة طـه {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } أي خَضعتْ وذَلّتْ . والمعنى : ولو شاء الله لأذلّ المفسدَ منكم في الدُنيا قبل الآخرة ولكنّ الله يمهلهُ لعلّهُ يُصلح أعماله (إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ) في مُلكهِ ينتقم مِمّن يريد فساد حال الأيتام (حَكِيمٌ) في أفعاله فلا يأمركم بشيء إلاّ وفيه منفعة لكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم