كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 224) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

224 - حلفَ عبد الله بن روّاحة أن لا يدخل على ختنهِ ولا يبرّهُ بشيء ولا يصلح بينه وبين امرأتهِ ، فكان يقول إنّي حلفتُ بهذا فلا يحلّ لي أن أفعلهُ بعد اليمين ، فنزلت هذه الآية (وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ ) أي لا تجعلوا اليمين بالله سبباً لترك الخيرات عن الناس وقطع البِرّ عنهم (أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ ) والمعنى : لا تحلفوا بالله على ترك البِرّ وترك صِلة الرحم وترك الإصلاح بين الناس (وَاللّهُ سَمِيعٌ ) لأقوالكم (عَلِيمٌ) بأفعالكم .

225 - (لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ ) "اللّغو" هو الكلام الذي لا فائدة فيه ، و"الأيمان" جمع يمين وهو الحِلف بالله ، والمعنى : لا يؤاخذكم الله بالحنث على أيمانكم التي لا فائدة فيها ، وذلك مثل أن يحلف الإنسان أنّه لا يُعطي فقيراً شيئاً بعد يومه ، ثمّ يحنث عن يمينهِ ويُعطي صدقة للفقراء ، فهذا لا يؤاخذه الله في حنثهِ على ذلك ، أو يحلف أنّه لا يُصلح بين الناس بعد يومه ، ثمّ يحنث ويُصلح بين المتخاصمين ، فإنّ الله تعالى لا يؤاخذه على ذلك ، وهكذا كلّ يمين يقسم الإنسان عليه أن لا يعمله وهو من أعمال الخير فهو لغوٌ . وكذلك إذا حلف يميناً على شيء وهو يرى نفسه صادقاً ثمّ تبيّن له أنّ الأمر عكس ذلك ولكن لم يكن يعلم فلا يؤاخذه الله عليه ، ولكن يجب عليه أن يُخبر من حلف له بأنّه قد أخطأ بيمينه والصحيح هو كذا وكذا ، ثمّ يستغفر ربّهُ على ما صدرَ منهُ من اليمين قبل أن يتأكّد من الخبر أو الحادث الّذي أخبرَ بهِ (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) من المكر والخديعة مع من تعاقدتم معه على بيع أو شراء أو شراكة وحلفتم على ذلك يميناً ثمّ حنثتم اليمين وخنتم العهد فإنّ الله تعالى يؤاخذكم عليه ويلزمكم كفّارته .(وَاللّهُ غَفُورٌ ) لمن تاب وأعطى الكفّارة (حَلِيمٌ) يُمهل عبيده ليتوبوا .

226 - (لِّلَّذِينَ) تقديرهُ الحُكم للّذينَ ، والخطاب موجّه للنبيّ ثمّ للقضاة (يُؤْلُونَ) على أنفسهم تضجّراً (مِن نِّسَآئِهِمْ ) يعني الّذي يقول آليتُ على نفسي أن لا اُرجعَ زوجتي إلى الأبد ، أو يقول عاهدتُ نفسي أن لا اُرجع زوجتي إلى بيتي بل تبقى عند أهلها إلى الأبد ، أو يجعل لها وقتاً فيقول إلى سبع سنين أو أكثر من ذلك أو أقلّ ، ولو حلف اليمين على ذلك فإنّ يمينهُ تُعدّ لغواً لا يُبنى عليها إلاّ إذا حلف على مُدّة أقلّ من أربعة أشهر فحينئذٍ يجب الوفاء بهِ ولا يحنث . فهؤلاء حُكمهم مع نسائهم أن تتربّص الزوجة بنفسها أربعة أشهر ، أي تنتظرهُ زوجته عند أهلها أربعة أشهر ، وذلك قوله تعالى (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) ، فالتربّص هو الانتظار ، ومن ذلك قول الشاعر : تَرَبّصْ بِها رَيبَ المَنُونِ لعلّها تُطَلَّقُ يوماً أو يموتُ حليلُها وبعد هذه المدّة يجب على الزوج أن يعيدها إلى بيته ويُصالحها ، وذلك قوله تعالى (فَإِنْ فَآؤُوا ) أي فإن رجعوا عن قولهم وتنازلوا عن إصرارهم ورجعوا بزوجاتهم (فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ ) لهم (رَّحِيمٌ) بزوجاتهم ، أمّا إذا أصرّ الزوج على الفراق ولم يرجع عن قوله فللزوجة حقٌّ أن تطالب بالطلاق ، وعلى القاضي أن يُرغم الزوج بالطلاق إن لم يوافق بالطلاقِ ، وهذا معنى قوله تعالى :

227 - (وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ ) لأقوالهم (عَلِيمٌ) بأفعالهم . أمّا حكم المسجون الّذي حُكِمَ عليه لمدّة أربع سنين فما فوق فيجب عليه أن يطلّق زوجته إن كانت فتاة ولم تكن عجوزاً ، وذلك إن وافقت هيَ بالطلاق ، فإذا لم يطلّقها وأرادت الزوجة الطلاق فعلى القاضي أن يطلّقها جَبراً ، فإذا خرج من السجن بعد انتهاء المدّة فوجد مطلّقته لم تتزوّج بغيره وكانت التطليقة الأولى أو الثانية يمكنه أن يتزوّجها من جديد . أمّا الّذي طلّق زوجته مرّتين ثمّ استرجعها قبل أن يُسجَن فإنّ اختيار الطلاق الثالث يكون بيد الزوجة فإن شاءت الطلاق طلّقها وإن شاءت البقاء تحت نكاحه حتّى يخرج من السجن ، وفي كلتا الحالتين فإنّ اختيار الطلاق يكون بيد الزوجة للمسجون أربع سنين أو أكثر . أمّا الغائب الّذي لا يُعرف عنه شيء هل مات أم هو حيٌّ يُرزق ، وذلك كالّذي يذهب للحرب ولا يعود ولا يُعرَف عنه شيء ، أو الّذي يكون أسيراً بيد الأعداء ولم يُعرَف عنه شيء ، أو غير ذلك مِمّن يغيب عن أهله ولا يعود ، فهؤلاء عِدّتهم أربع سنين أيضاً ، فإذا انقضت المدّة ولم يأتِ الزوج فللزوجة حقّ أن تطالب بالطلاق وذلك عند القاضي ، فيقوم بالطلاق أبو الزوج أو جدّه أو عمّه أو شريكه إن لم يكن له أب ولا جدّ في قيد الحياة ، أو يقوم وكيله أو وصيّه أو من يرثه من الرجال . فعلى القاضي أن يجعل أحد أقرباء الزوج المفقود وكيلاً عنه ووصيّاً له كي يقوم الوكيل والقاضي بأمر الطلاق ويُطلّقان الزوجة ويكتبانِ لها ورقة الطلاق ويدفعانِها إلى الزوجة ، وذلك بعد الإثبات من الشهود والأدلّة على أنّ زوجها مفقود منذ أربع سنين ولم يُعرَف عنه شيء ولم يأتِ منه مكتوب [أي رسالة] ولا خبر . أمّا إذا عُلِمَ أنّ الزوج حيٌّ أو جاء منه مكتوب [أي رسالة] وهو ممتنع عن المجيء فعلى القاضي أن يُرسل له إنذاراً بأنّه إن لم يرجع إلى أهله لمدّة أربعين يوماً فسيُطلّق القاضي زوجته . فإن لم يرجع بعد تلك المدّة المذكورة ولم يرسل جواباً فللزوجة حقّ الطلاق . فإن رجع الزوج بعد ذلك فوجد زوجته لم تتزوّج من غيره فله حقّ في إرجاعها ، أمّا إذا وجدها متزوّجة من غيره فليس له حقّ في إرجاعها بل تبقى زوجة للثاني . وملخّص القول فإنّ الفراق لا يجوز أن يدوم أكثر من أربع ، فالزوج الحاضر أربعة أشهر وبعد ذلك إمّا الرجعة وإمّا الطلاق . والزوج المفقود أو المسجون فأربع سنين وبعدها إمّا الرجعة وإمّا الطلاق . أمّا حُكم الميراث للزوجة المفقود زوجها ولم يُعلم عنه شيء فهي ترث زوجها من يوم غيابه ، فلها الثمن إن كان لزوجها ولد ، ولها الربع إن لم يكن لزوجها ولد ، ولا يسقط حقّها من الميراث إلاّ إذا رجع زوجها وظهر أنّهُ حيّ . أمّا طلاقها من قِبَل القاضي أو زواجها برجل غيره فلا يُسقِط حقّها من الميراث ، وذلك إن كان زوجها حيّاً فالميراث يقوم لها مقام النفقة ، وإن كان ميتاً فهي أولَى بالميراث .

228 - (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ) أي ينتظرن بأنفسهنّ ، يعني تبقى في الدار تنتظر حتّى تنتهي عليها ثلاث حيضات ، أمّا الّتي لا تحيض فعدّتها ثلاثة أشهر ، وذلك قوله تعالى في سورة الطلاق {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ } يعني الّلاتي لم يحضنَ من قبل والّلاتي يئسنَ من المحيض في وقت طلاقهنّ فالجميع عِدّة كلّ واحدة منهنّ ثلاثة أشهر ، وقوله (ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ ) "القرءُ " هو العادة المقرّرة أي الموقّتة بين شخصين ، وجمعه قروء ، والشاهد على ذلك قول الشاعر : يارُبَّ ذي ضِغنٍ علَيَّ فارِضِ لهُ قُروءٌ كقُروءِ الحائِضِ أي له عليّ عادة مقرّرة في كلّ شهر مرّة كما للحائض عادة في كلّ شهر مرّة ، وأراد سبحانهُ بالقروء طهر المرأة بعد حيضها ، والدليل على ذلك قول الأعشى : وفي كلّ عامٍ أنتَ جاشمُ غزوةٍ تَشُدُّ لأقصاها عَزيمَ عَزائِكا مُوَرِّثَةً مالاً وفي الأرضِ رِفعةً لما ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسائِكا فالّذي ضاع هاهنا الأطهار لا الحيض . (وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ) من الأولاد لأنّ بعض المطلّقات الّتي تكره زوجها تكتم حملها لئلاّ ترجع لزوجها بعد الطلاق ، أو لأنّها تحبُّ رجُلاً آخر فتريد أن تتزوّج بهِ فلذلك تكتم حملها ، لأنّ الزوج له حقّ الرجعة بزوجته المطلّقة إن كانت حاملاً ولا يحقّ لها أن تمتنع عن ذلك ولو بعد انتهاء العدّة . أمّا إذا كانت غير حامل وانتهت العدّة فالخيار للزوجة إن وافقت بالرجعة رجعت إليه وإن شاءت أن تتزوّج غيره تزوّجت (إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) يعني إن كانت تؤمن بالله وبالحساب والعقاب فلا تكتمْ حملها لأنّ الله يُعاقبها ، واليوم الآخر هو يوم القيامة ، وقد سبق شرحه فيما سبق في آية 126 . وهذه الجُملة تخويف ووعيد بالعذاب لمن تكتم حملها من المطلّقات (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ) يعني زوج المطلّقة أحقّ بإرجاعها من غيره في وقت العِدّة ، وأحقّ بها إن كانت حاملاً ولو بعد العِدّة ولكن بشرط (إِنْ أَرَادُواْ ) الأزواج (إِصْلاَحًا) بينهم وبين زوجاتهم بحُسن المعاشرة وأداء النفقة والكسوة على قدر الإمكانية (وَلَهُنَّ) أي للزوجات من الحقّ على أزواجهنّ (مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ) من الحقّ لأزواجهنّ (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالشيء المناسب الّذي يتمكّن عليه الزوج من النفقة والكسوة وحُسن المعاشرة والمبيت عندها فلا يتركها وحدها ويذهب إلى الزانيات ولا يخونها بزنا أو بلواط كما يريد أن لا تخونه (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) في الإطاعة ، أي ويجب على الزوجة أن تطيع زوجها فلا تخرج من الدار إلاّ بإذنهِ وأن تسمع كلامهُ وتمتثل أوامرهُ إلاّ بما حرّم الله ، فإن خالفت أوامره فهي ناشز (وَاللّهُ عَزِيزٌ ) في مُلكهِ يُعذّب من يخالف أحكام الله (حَكُيمٌ) في أحكامه فلا يأمركم إلاّ بما فيه صلاحٌ لكم .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم