كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 237) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

237 - (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ) يعني إذا تزوّج أحدكم بفتاة باكرة ولم يتمكّن من إزالة بكارتها وأراد أن يطلّقها لهذا السبب أو لسبب آخر فلها نصف المهر (إَلاَّ أَن يَعْفُونَ ) يعني إلاّ أن تعفو الزوجة عن حقّها لزوجها (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ) وهو القاضي الّذي أجرى لهما صيغة العقد ، وذلك إذا ثبتَ لهُ أنّ أحدهما غنيٌّ والآخر فقيرٌ فيعفو القاضي حقّ الغنيّ منهما لزوجه الفقير ، أو كان أحدهما غابناً والآخر مغبوناً فيعفو القاضي حقّ الغابن للمغبون من الزوجين : مثَلاً إذا تزوّج شخص امرأةً ولم يرها إلاّ بعد عقد النكاح ولم تُعجبهُ لأنّها قبيحة المنظر ، أو وجد فيها عيباً فاشمأزّت نفسه منها ولم يدخل بها وأراد أن يُطلّقها ، أو أجبره أبوه على الزواج منها وهو لا يهواها ولم يدخل بها وأراد طلاقها ، فمثل هؤلاء مغبونون فيجب على القاضي الّذي بيده عقدة النكاح أن ينظر في قضاياهم ويحكم للمُحقّ منهما (وَأَن تَعْفُواْ ) أيّها الرجال عن النصف الآخر إن كنتم أغنياء (أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) أي أقرب من الصدقة الّتي تتجنّبون بها الأخطار وحوادث الأيّام إذْ بذلك يدفع الله عنكم البلاء وشرّ الأعداء (وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ) إن كنتم أقرباء فلا تتشاجروا فيما بينكم لأجل المال . فكلمة "النسيان" معناها الترك ، ومن ذلك قولهُ تعالى في سورة الأعراف { فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا } ، يعني نتركهم في النار كما تركوا يومهم هذا فلم يعملوا له . والمعنى : لا تتركوا الفضل بينكم بسبب الطلاق بل يعفو الغنيّ منكما لصاحبه الفقير (إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) فيعاقب من يخالف أوامره . أمّا إذا مات الزوج قبل أن يطلّق وكانت في بيته فلها كلّ الأثاث وليس لها من إرثه شيء .

238 - (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ ) جمع صلاة ، أي داوموا عليها بأوقاتها ولو في الحرب والقتال ، وهي خَمسٌ فقد جاء ذكر ثلاث منها في سورة هود وهي صلاة الصبح أي الفجر وصلاة العصر والمغرب وذلك قوله تعالى {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللّيل ِ} فقوله تعالى {طَرَفَيِ النَّهَارِ} يعني الصبح والعصر {وَزُلَفًا مِّنَ اللّيل } يعني قريباً من اللّيل وهي صلاة المغرب فهذه ثلاث ، وجاء ذكر اثنتين منها في سورة الإسراء وهي صلاة الظهر وصلاة العشاء ، وذلك قوله تعالى في سورة الإسراء {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللّيل } فدلوك الشمس زوالها وهي صلاة الظهر ، وغسق اللّيل ظلامهُ وهي صلاة العشاء فصار المجموع خمس فرائض (والصَّلاَةِ الْوُسْطَى ) هي صلاة الجمعة ، وصلاة الجمعة لا تُسقِط صلاة الظهر لقوله تعالى (والصَّلاَةِ الْوُسْطَى ) فخصّها دون الخمسة . (وَقُومُواْ ) بعد الصلاة (لِلّهِ قَانِتِينَ ) أي مُنقطعين عن أعمال الدُنيا وشؤونها متوجّهين بوجوهكم وقلوبكم إليه . ويُباح الجمع بين الصلاتين عند الضرورة والحرب والسفَر فيُجمَع بين الصلاتين عند اغتنام الفرصة .

239 - ثمّ بيّنَ سُبحانهُ حكم الصلاة عند الخوف من العدو ، أي وقت الحرب وذلك عند مسيرهم مشاةً أو رُكباناً والعدوّ يتربّص لهم فقال (فَإنْ خِفْتُمْ ) من عدوّ وكنتم سائرين (فَرِجَالاً) أي فصلّوا راجِلِين ، جمع راجِل ، يعني فصلّوا وأنتم ماشون على أرجلكم (أَوْ رُكْبَانًا ) أي أو راكبين على ظهور دوابّكم . والإنسان مخيّر في هذه الحالة من أن يُصلّي بالتمام أو أن يقصر فيصلّي ركعتين بدل الأربع ، وذلك لقوله تعالى في سورة النساء {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُواْ } . وتكون صلاة وقت الخوف بلا ركوع ولا سجود بل بالإيماء ، وذلك عند المسير لا عند الإقامة ، ويسقط عنه التوجّه نحو القِبلة ، وإذا لم يمكنه الوضوء فبالتيمّم . وإذا كان الإنسان في مواضع الحرب وصار وقت الصلاة فليصلِّ في مكانه ولو كان اتّجاههُ لغير القِبلة ، ولا حرج عليه أن يُصلّي وهو جالس أو نائم إذا لم يمكنه القيام لسببٍ من الأسباب (فَإِذَا أَمِنتُمْ ) من العدوّ وزال الخوف عنكم (فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَمَا عَلَّمَكُم ) أي فصلّوا بركوع وسجود والتوجّه إلى القبلة كما علّمكم أن تُصلّوا (مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) قبل الإسلام .

240 - (وَالّذينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ) أي يموتون (وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ) أي يتركون زوجات (وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم ) يعني فليوصوا قبل موتهم وصيّة لهنّ (مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ) يعني ما ينتفعنَ به من النفَقة والكِسوة والسُكنى سنة كاملة (غَيْرَ إِخْرَاجٍ ) أي لا تخرجوهنّ من بيوت الأزواج إلى بيوت آبائهنّ (فَإِنْ خَرَجْنَ ) باختيارهنّ قبل الحَول وبعد انتهاء العِدّة (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) يا أولياء الميّت ووارثيهِ (فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ ) من التزيّن والتعرّض للخِطبة (مِن مَّعْرُوفٍ ) أي مِمّا ليس بمنكر شرعاً ، فوليّ الميّت عليه أن يقوم بنفقة الزوجة حولاً كاملاً ، فإذا خرجت زوجة الميّت قبل انتهاء الحول وبعد انتهاء العِدّة لكي تتزوّج ولم ترجع لدار زوجها الميّت سقط حقّها من النفقة (وَاللّهُ عَزِيزٌ ) ينتقم مِمّن يخالف أوامره (حَكِيمٌ ) في أفعاله فلا يأمركم بشيء إلاّ فيه صلاح لكم .

241 - (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ) أي للمطلّقات المدخول بهنّ نفقة العِدّة وهي ثلاثة أشهر . أمّا المطلّقات الغير مدخول بهنّ فلهنّ جُعالة إن لم يكن لهنّ مهرٌ (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) أي واجباً على من يتّقي عذاب الله بطاعتهِ .

242 - (كَذَلِكَ) أي كما بيّنا أحكام الطّلاق والعِدّة لمن سبقكم من أهل الكتاب كذلك (يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) يعني لكي تكمل عقولكم ، فإنّ العقل الغريزي إنّما يكمل بالعلم المكتسب .

243 - (أَلَمْ تَرَ ) أيّها السامع ، والمعنى : ألم تسمع بقصّةِ هؤلاء فتتفكّر في أمرهم وتعتبر بقصّتهم ؟ فلفظة "ترى" مشتقّة من الرأي وهو العلم والفكر (إِلَى الّذينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ) هاربين من أعدائهم ، وهم بنو إسرائيل خرجوا من مصر مع موسى بن عمران (وَهُمْ أُلُوفٌ ) في العدد ، فكان عددهم ستمائة ألف رجل عدا الأطفال والنساء ، راجع سِفر الخروج – الإصحاح الثاني عشر من مجموعة التوراة ، ساروا حتّى نزلوا قرب أرض كنعان (الأردن) ، فأمرهم موسى أن يحاربوا الكنعانيين ويدخلوا قرية أريحا ، فامتنعوا عن الجهاد (حَذَرَ الْمَوْتِ ) أي خرجوا من ديارهم حذراً من الموت تحت حكم فرعون لأنّه استعبدهم وقتل أبناءهم ، ونزل الطاعون بهم أيضاً فمات شيوخهم فهربوا من مصر ، ولَمّا أمرهم موسى بالجهاد إمتنعوا أيضاً خوف القتل (فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ) في هذا القفرِ فإنّكم لا تدخلون أريحا بل يدخلها أولادكم بعد أربعين سنة ، هذا جزاء عنادكم وتكبّركم على الله وعلى رسوله . فمات الآباء بالتدريج في تلك الصحراء ولم يبق منهم إلاّ رجلان وهما يوشع بن نون وكالب بن يفنّة (ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ) بعد أربعين سنة ، أي أحيا ذِكرهم بأولادهم إذْ نصرهم على أعدائهم وأدخلهم أرض كنعان ، فالموت هنا كناية عن الذلّ كقوله تعالى في سورة آل عمران {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، و"الإحياء" كناية عن العِزّ والنصر (إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ) بكثرة النِعم والتجاوز عن سيّئاتهم (وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) هذه النِعم بل يكفرون بدل الشُكر . ومضمون الآية أنّ الله تعالى يُحرّض المؤمنين على جهاد عدوّهم لينتصروا عليهم ويحيَوا كما انتصر أولاد بني إسرائيل لَمّا جاهدوا ودخلوا أريحا ، ولا يمتنع المسلمون عن الجهاد فيهلكوا ويموتوا كما مات بنو إسرائيل لَمّا امتنعوا عن الجهاد . ثمّ خاطبَ المسلمين فقال تعالى :

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم