كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 41) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

41 - (وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ) يعني آمِنوا بالقرآن الّذي أنزلتُهُ مُصدّقاً لِما معكم من وصايا الألواح الّتي جاء بها موسى من عند الله ومصدّقاً بالتوحيد ونبذ الأصنام (وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ) أي بالقرآن (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) أي لا تستبدلوا بإنكار القرآن مالاً يسيراً ، فتخافوا أن تذهب سلطتكم ونفوذكم على قومكم إن آمَنتم بمحمّد ولا يعودَ أحدٌ يعطيكم من المال ، لأنّ الخطاب لأحبار اليهود ورؤسائهم (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) يعني فاحذروا عِقابي وآمِنوا بالقرآن وبمن نزلَ عليه .

42 - (وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ) أي لا تخلطوا الحقّ بالباطل ، فالحقّ يريد به التوراة الأصليّة ، والباطل ما حرّفهُ وبدّلهُ عِزرا في توراته (وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ ) أي وتكتموا صفة محمّد التي جاء ذكرها في التوراة والإنجيل (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) أنّ وراءكم حِساب وعِقاب ، والخِطاب موجّه إلى علمائهم

43 - (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ ) مع المسلمين (وَآتُواْ الزَّكَاةَ ) للفقراء والمحتاجين (وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ ) أي انقادوا مع المنقادين من قومكم الّذينَ أسلموا

44 - (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) "البِرّ" فعل الخيرات وإطعام الطعام للفقراء (وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ) أي تقرأون التوراة وتعلمون بأنّ الله أوصى في التوراة بعمل البِرّ ومساعدة الفقراء (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) وتتركون هذه العادات السيّئة .

45 - (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ) يعني آمِنوا واستعينوا على قومكم بالصبر إن خِفتم أن يؤذوكم إذا آمنتم وإنّ الله ينصركم عليهم ، وقوله (وَالصَّلاَةِ ) يعني واستعينوا عليهم أيضاً بالصلاة والدعاء إلى الله وهو ينجيكم من شرّهم وينصركم عليهم ، ومثلها في آية 153 يخاطب المؤمنين قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، (وَإِنَّهَا ) أي الصلاة (لَكَبِيرَةٌ ) أي ثقيلة على الناس فلا يواظبون عليها وخاصّةً المتكبّرون منهم (إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ) أي المتواضعين لا تثقل عليهم لأنّهم وطّنوا أنفسهم على أدائها وإنّهم لا يأنفون من الركوع والسجود .

46 - ثمّ أخذَ سُبحانهُ في وصف الخاشعين فقال (الّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ ) يعني ما يلاقونه من الرحمة مجازاةً لأعمالِهم وخشوعهم ، ومثلها في سورة الحاقة قوله تعالى {إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } ، (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) يعني إلى جواره صائرون إلى السماوات الأثيريّة .

47 - (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وإسرائيل معناه عبد الله في اللّغة العبريّة وهي لغة اليهود ، وهي كناية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل (اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) في الماضي (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) أي أعطيتكم فضلة من النِعم على سائر الناس ، يعني أعطيتكم زيادة على غيركم ، وليس المعنى أنّهُ تعالى فضّلهم على سائر الناس ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة النحل {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ } ، أي أعطَى بعضكم زيادة على بعض ، وقال تعالى في سورة هود {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } يعني : ويُعطي الله في الآخرة زيادة لمن زادَ في حسناتهِ وتصدّق على الفقراء والمساكين . ومن ذلك قول امرئ القيس : وقلنا لفتيانٍ كرامٍ ألا انْزِلُوا فَعَالُوا عَلَيْنَا فضْلَ ثوْبٍ مُطنَّبِ أي فضالة ثوب ، وقالت الخنساء : أَرْعَى النُّجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمارِي يعني فضلة أطماري ، وقال علقمة : مِنْ بازِلٍ ضُرِبَتْ بِأبْيَضَ باتِرٍ بِيَدَيْ أغَرَّ يَجُرُّ فَضْلَ المِئْزَرِ وقال جرير يصف فتاة إسمها دعد : لَمْ تَتَلفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِهَا دَعدٌ وَلَمْ تُسْقَ دَعْدُ فِي العُلَبِ وقال أيضاً : ولو يُدْفَنُ التَّيْميّ ثمّ دَعَوتَهُ إلى فضلِ زادٍ جاءَ يسعَى منَ القَبرِ

48 - (وَاتَّقُواْ يَوْماً ) أي وتجنّبوا عذاب يوم (لاَّ تَجْزِي ) أي لا تغني (نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ) أي لا تدفع لها من حسناتها شيئاً ولا تحملُ من أوزارها شيئاً لكي تخلّصها من العذاب ولو كانت ذا قربى ، فالولد لا يحمل من أوزار أبيهِ شيئاً ولا الوالد يحمل من أوزار ابنهِ شيئاً . ومثلها في سورة لقمان قوله تعالى {وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا } ، وقوله (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) وإنّما ذكر الله سُبحانه الشفاعة في آيات من القرآن ونفاها في آيات اُخرى وذلك حسب الأيّام والناس الّذينَ لهم شفاعة والّذينَ لا تشملهم الشفاعة ، ولأجل التوضيح أذكر لك الأيّام أوّلاً : قلتُ في كتابي الكون والقرآن بأنّ الأرض سوف تقف عن دورتها المحورية فيكون النهار سرمداً في جهة منها إلى يوم القيامة وكذلك يكون اللّيل في الجهة الاُخرى ففي ذلك اليوم تصعد الملائكة الموجودة على الأرض إلى السماء وتصعد النفوس المؤمنة معها ، فهؤلاء المؤمنون تشملهم الشفاعة لأنّهم استوفَوا حسابهم على الأرض . أمّا النفوس الكافرة والمجرمة والمشركة فهؤلاء يبقون على الأرض إلى يوم القيامة ، وهؤلاء الباقون لا تشملهم الشفاعة ، فالشفاعة إذاً في يوم مخصوص ، ونفيها في يوم مخصوص ، وهي لقوم مخصوصين دون قوم آخرين كافرين . وقوله (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) أي لا يؤخذ من الكافرين دنانير أو ذهباً مُعادَلةً ليُعفَى عنهم العذاب كما تستعملون ذلك في القتلى فتأخذون الدِية . فكلمة "عدل" معناها المعادَلة أي المقابَلة ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } يعني أو تصوموا عشرة أيّام مقابل إطعام عشرة مساكين (وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) يعني ولا يتمكّن أحد أن ينصرهم ويخلّصهم من العذاب .

49 - (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) والتقدير : واذكروا إذْ أنجيناكم من قوم فرعون وأقربائهِ (يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ ) أي يكلّفونكم أسوء الأعمال ويستعبدونكم ، ومن ذلك قول الخنساء : من القومِ مغشيُّ الرواقِ كأنّهُ إذا سِيمَ ضيماً خادرٌ متبسّلُ وقال قيس بن الخطيم :
وأنّنا دُونَ ما يَسومُهُمُ الأع === داءُ مِنْ ضَيْمِ خُطّةٍ نُكُفُ
(يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ ) أي يُبقونهنّ أحياءً فلا يذبحونهنّ لكي يخدمنهم (وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) . القصة : رأى فرعون في منامه كأنّ ناراً أقبلت من أرض كنعان حتّى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت الأقباط وتركت بني إسرائيل . فهاله ذلك ، فدعا الكهنة وأصحاب علم الجفر فسألهم عن رؤياهُ ، فقالوا أنّهُ يولدُ في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك وتبديل دينك . فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل من أهل مملكتهِ فقال لهنّ لا يسقط على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلاّ قُتِل وتترك كلّ جاريةٍ . ووكّل بهنّ مراقبين ، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل ، فدخل رؤساء القبط على فرعون فقالوا لهُ إنّ الموت قد وقع في بني إسرائيل فتقتل صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا . فأمرَ فرعون أن يذبحوا سنةً ويتركوا سنة . فولِدَ هارون في السنة الّتي لا يذبحون فيها فتُرِكَ ، وولدَ موسى في السنة الّتي يذبحون فيها فأخفتهُ اُمّهُ .

------------------------------------

9 :ومِمّا يؤسف له أنّ بين ظهرانينا من الأحبار والرهبان من يعلم الحقّ الصريح ويبتعد لمثل الأسباب التي ذكرها المؤلّف الفاضل عن هداية قومه إلى الدين الصحيح – المراجع .

<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم