كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 47) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

47 - (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) وإسرائيل معناه عبد الله في اللّغة العبريّة وهي لغة اليهود ، وهي كناية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل (اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) في الماضي (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) أي أعطيتكم فضلة من النِعم على سائر الناس ، يعني أعطيتكم زيادة على غيركم ، وليس المعنى أنّهُ تعالى فضّلهم على سائر الناس ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة النحل {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ } ، أي أعطَى بعضكم زيادة على بعض ، وقال تعالى في سورة هود {وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } يعني : ويُعطي الله في الآخرة زيادة لمن زادَ في حسناتهِ وتصدّق على الفقراء والمساكين . ومن ذلك قول امرئ القيس : وقلنا لفتيانٍ كرامٍ ألا انْزِلُوا فَعَالُوا عَلَيْنَا فضْلَ ثوْبٍ مُطنَّبِ أي فضالة ثوب ، وقالت الخنساء : أَرْعَى النُّجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها وتارةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمارِي يعني فضلة أطماري ، وقال علقمة : مِنْ بازِلٍ ضُرِبَتْ بِأبْيَضَ باتِرٍ بِيَدَيْ أغَرَّ يَجُرُّ فَضْلَ المِئْزَرِ وقال جرير يصف فتاة إسمها دعد : لَمْ تَتَلفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِهَا دَعدٌ وَلَمْ تُسْقَ دَعْدُ فِي العُلَبِ وقال أيضاً : ولو يُدْفَنُ التَّيْميّ ثمّ دَعَوتَهُ إلى فضلِ زادٍ جاءَ يسعَى منَ القَبرِ

48 - (وَاتَّقُواْ يَوْماً ) أي وتجنّبوا عذاب يوم (لاَّ تَجْزِي ) أي لا تغني (نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ) أي لا تدفع لها من حسناتها شيئاً ولا تحملُ من أوزارها شيئاً لكي تخلّصها من العذاب ولو كانت ذا قربى ، فالولد لا يحمل من أوزار أبيهِ شيئاً ولا الوالد يحمل من أوزار ابنهِ شيئاً . ومثلها في سورة لقمان قوله تعالى {وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا } ، وقوله (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) وإنّما ذكر الله سُبحانه الشفاعة في آيات من القرآن ونفاها في آيات اُخرى وذلك حسب الأيّام والناس الّذينَ لهم شفاعة والّذينَ لا تشملهم الشفاعة ، ولأجل التوضيح أذكر لك الأيّام أوّلاً : قلتُ في كتابي الكون والقرآن بأنّ الأرض سوف تقف عن دورتها المحورية فيكون النهار سرمداً في جهة منها إلى يوم القيامة وكذلك يكون اللّيل في الجهة الاُخرى ففي ذلك اليوم تصعد الملائكة الموجودة على الأرض إلى السماء وتصعد النفوس المؤمنة معها ، فهؤلاء المؤمنون تشملهم الشفاعة لأنّهم استوفَوا حسابهم على الأرض . أمّا النفوس الكافرة والمجرمة والمشركة فهؤلاء يبقون على الأرض إلى يوم القيامة ، وهؤلاء الباقون لا تشملهم الشفاعة ، فالشفاعة إذاً في يوم مخصوص ، ونفيها في يوم مخصوص ، وهي لقوم مخصوصين دون قوم آخرين كافرين . وقوله (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) أي لا يؤخذ من الكافرين دنانير أو ذهباً مُعادَلةً ليُعفَى عنهم العذاب كما تستعملون ذلك في القتلى فتأخذون الدِية . فكلمة "عدل" معناها المعادَلة أي المقابَلة ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة {أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } يعني أو تصوموا عشرة أيّام مقابل إطعام عشرة مساكين (وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) يعني ولا يتمكّن أحد أن ينصرهم ويخلّصهم من العذاب .

49 - (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) والتقدير : واذكروا إذْ أنجيناكم من قوم فرعون وأقربائهِ (يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ ) أي يكلّفونكم أسوء الأعمال ويستعبدونكم ، ومن ذلك قول الخنساء : من القومِ مغشيُّ الرواقِ كأنّهُ إذا سِيمَ ضيماً خادرٌ متبسّلُ وقال قيس بن الخطيم :
وأنّنا دُونَ ما يَسومُهُمُ الأع === داءُ مِنْ ضَيْمِ خُطّةٍ نُكُفُ
(يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ ) أي يُبقونهنّ أحياءً فلا يذبحونهنّ لكي يخدمنهم (وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) . القصة : رأى فرعون في منامه كأنّ ناراً أقبلت من أرض كنعان حتّى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت الأقباط وتركت بني إسرائيل . فهاله ذلك ، فدعا الكهنة وأصحاب علم الجفر فسألهم عن رؤياهُ ، فقالوا أنّهُ يولدُ في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك وتبديل دينك . فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل من أهل مملكتهِ فقال لهنّ لا يسقط على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلاّ قُتِل وتترك كلّ جاريةٍ . ووكّل بهنّ مراقبين ، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل ، فدخل رؤساء القبط على فرعون فقالوا لهُ إنّ الموت قد وقع في بني إسرائيل فتقتل صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا . فأمرَ فرعون أن يذبحوا سنةً ويتركوا سنة . فولِدَ هارون في السنة الّتي لا يذبحون فيها فتُرِكَ ، وولدَ موسى في السنة الّتي يذبحون فيها فأخفتهُ اُمّهُ .

50 - (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ) أي شققنا ماء البحر فجعلنا فيهِ طُرُقاً لعبور بني إسرائيل . ومثلها قوله تعالى في سورة الشعراء {فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } ، (فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) إليهم لَمّا غرقوا . القصّة : لَمّا جاء موسى إلى فرعون وطلبَ منه أن يرسلَ معه بني إسرائيل لم يوافق فرعون بذلك ، فأرسل الله عليهم الجراد والضفادع والدم والقمّل كي يرجعوا عن غيّهم ويُفرِجوا عن بني إسرائيل ، فقالوا لموسى إن كشفتَ عنّا هذا العذاب لنؤمننّ لك ولنُرسلنّ معك بني إسرائيل ، فلمّا كشف الله عنهم الرجزَ نقضوا العهد ولم يتركوا بني إسرائيل ليخرجوا مع موسى ، فقال لهم موسى إن لم تتركوا بني إسرائيل ليخرجوا معي سيصبح في الغد كلّ بكرٍ من أولادكم ميّتاً ، فلمّا أصبح الصباح وإذا بابن فرعون البكر ميّتاً وكلّ ولد بِكرُ أبيهِ أصبح ميّتاً ، فجاء رؤساء الأقباط إلى فرعون وقالوا اُترك بني إسرائيل ليخرجوا وإلاّ نهلك بأجمعنا ، فحينئذٍ أذِنَ لهم بالخروج ، فخرجوا ليلاً ولَمّا ابتعدوا عن المدينةِ ندِمَ فرعون على إذنهِ لهم بالخروج فدعا قوّاد جيشه وقال لهم : إستعدّوا وهيّئوا الجيش حالاً لنذهب وراء بني إسرائيل ونعيدهم إلى مصر ، ولَمّا خرجوا في طلبهم بعث الله عليهم السحاب فأمطرتهم وصحبتها رعود وبروق وصواعق وظُلمة كي يُعيقهم فلا يلحقوا بموسى وقومه أو يرتدِعوا فيرجعوا عن طلبتهم ، ولكنّهم أصرّوا على ذلك ، فكانوا كلّما أضاء لهم البرق مشَوا في ضوئهِ وإذا أظلمَ عليهم أقاموا في مكانهم حتّى لحقوا بهم وقت شروق الشمس ، فلَمّا رآهم بنو إسرائيل خافوا منهم أن يقتلوهم أو يُعيدوهم إلى مصر ، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ، فلمّا ضربه انفلق الماء وصار فيهِ إثنا عشر طريقاً فدخل بنو إسرائيل في البحر الأحمر وساروا في تلك الطرُق ، فأتبعهم فرعون بجندهِ فلمّا خرج بنو إسرائيل من البحر إلى اليابسة أطبق البحر على فرعون وجنده فغرقوا وماتوا بأجمعهم ، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم . وكان عدد بني إسرائيل ستمائة ألف عدا الأطفال والنساء ، أمّا جيش فرعون فكان ضعف بني إسرائيل ، فكانت الخيّالة ستمائة ألف والرجّالة كذلك .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم