كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة البقرة من الآية( 98) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

98 - (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) بالله وبملائكته وبرُسُلِهِ .

99 - (وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ) يا محمّد (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) تدلّ على صِدقك وعلى رسالتك (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا ) أي وما ينكرها ويجحدها (إِلاَّ الْفَاسِقُونَ ) يعني سيّؤو الأخلاق الخارجون عن طاعة الله .

100 - (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ ) الله (عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ) يعني من اليهود ، ويريد بذلك العهود التي أخذها عليهم أنبياؤهم بأن لا يُشركوا ولا يقتلوا ولا يفسقوا ، فنبذ العهد فريق من اليهود الماضين . والألف من قوله (أَوَكُلَّمَا) للاستفهام ، ومعناهُ أيفعل اليهود الحاضرون كما فعل الماضون؟ وهنا حذفٌ في الكلام ، وتقديرهُ "وهم غير مؤمنين" ، ولذلك قال بعدها (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) يعني أكثرهم نبذوا العهود وهم مع ذلك غير مؤمنين . ومن جملة العهود التي نبذها اليهود ما كان بين رسول الله وبين بني قريظة والنضير : عاهدوا أن لا يعينوا عليه أحداً بالحرب فنقضوا ذلك العهد وأعانوا عليه قُريشاً يوم الخندق .

101 - (وَلَمَّا جَاءهُمْ ) أي اليهود (رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ ) يعني محمّداً (مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ) من أمر التوحيد ونبذ الأصنام (نَبَذَ) أي رفضَ وتركَ (فَرِيقٌ مِّنَ الّذينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) يعني من علماء اليهود (كِتَابَ اللّهِ ) يعني التوراة (وَرَاء ظُهُورِهِمْ ) يعني تركوها ونبذوها ولم ينظروا فيها ويتصفّحوها ليطابقوا صفة محمّد مع صفة الأنبياء ، ودعواهُ إلى التوحيد كما دعت الأنبياء ، وأعماله كما عملوا ، ونبذه الأصنام وتكسيرها كما فعلوا في الماضي ، وبذلك يعلمون أنّه رسول من ربّ العالمين إذْ طابقت أعماله أعمال الأنبياء وذلك إنْ خَفِيَ عليهم إسمه في التوراة وضاعت صفاته في الرقوق التي مزّقها ملك بابل نبوخذ نصّر ، ولكنّهم نبذوا التوراة ولم يلتفتوا إلى الصفات وتركوا الأدلّة والبيّنات وقالوا إنّما هو ساحر اجتمع عليه أهل الفلاة ، فتجاهلوا أمرهُ وأنكروا صِدقهُ ورفضوا قولهُ حسداً منهم لِما جاءَ بهِ من العِلم وتكبّراً لِما دعا إليه من الدِين (كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) قصص الأنبياء الماضية وأسفارهم الباقية ، فيفهموا أنّه ليس ساحراً بل هو رسول من ربّ العالمين .

102 - (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ ) يعني علماء اليهود تتبّعوا قول الشياطين وقالوا كقولهم (عَلَى مُلْكِ سُليمان ) يعني قالت اليهود في محمّد كما قالت الشياطين في ملك سُليمان . فإنّ الشياطين قالوا لم ينل سُليمان هذا الملك إلاّ بسحره ، وكذلك اليهود قالوا إنّ محمّداً لم ينل هذه المنزلة ولم يجتمع إليه الناس إلاّ بسحرِه ، وذلك لشدّة حسدهم وبُغضهم إيّاه . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ سُليمان لم يعمل بالسِحر ولم يكتم الحقّ كما كتمه هؤلاء اليهود فقال (وَمَا كَفَرَ سُليمان ) فكلمة "كفر" معناها تغطية الشيء وكتمانه ، ومن ذلك قول الشاعر اليمني : فَلَا تَكفُرُوا مَا قَدْ صَنَعْنَا إِلَيْكُمُ وكافُوا بِهِ فالكُفْرُ بورٌ لِصانِعهِ والمعنى : ما كتم سُليمان الحقّ ولا عمل بالسِحر ، (وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ ) أي كتموا الحقّ وعملوا بالسِحر ، وقد ضرب الله مثَلاً في هذه الآية فجعل محمّداً مقام سُليمان ، وهؤلاء اليهود مقام الشياطين ، والمعنى : لقد قلتم أيّها اليهود في شأن محمّد كما قالت الشياطين في شأن سُليمان ولكنّ الأمر عكس ذلك ، فإنّ محمّداً ليس ساحراً ولا كافراً بل أنتم كافرون إذْ كتمتم الحقّ في شأن نبوّته وأخفيتم على الناس حقّهُ مع عِلمكم بصحّةِ قولهِ وإيضاح تبيانه . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ السِّحر من عادات اليهود وأعمالهم لا من أعمال المسلمين ونبيّهم فقال (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) فهم شياطين الإنس (وَ) يعلّمون الناس أيضاً (مَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ) أي ما اُنزلَ عليهما من الذلّ والفرقة بسبب الأسر ، والملِكان هما من ملوك بني إسرائيل وكانا من جملة الأسرى الّذينَ أخذهم نبوخذنصّر إلى أرض بابل في العراق ، وهما (هَارُوتَ وَمَارُوتَ ) وكانا يعلّمان الناس التفرقة بين الزوجة وزوجها ويأخذان أجرة على ذلك . ثمّ بيّنَ سُبحانهُ بأنّ الرجُلين وإن كانا ساحرَين ولكن لا يغشّان الناس ولا يكتمان الحقّ كهؤلاء اليهود الّذينَ كتموا أمر محمّد بعد أن اتّضح لهم أنّه نبيٌّ ، فقال تعالى (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ) من الناس (حَتَّى يَقُولاَ ) له (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ) أي مِحنة واختبار (فَلاَ تَكْفُرْ ) أي فلا تعمل بالسحر فتكتم الحقّ (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) أي بين الرجُل وزوجتهِ (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ ) والمعنى : وما أهل بابل بضارّين اليهود بالأسر إلاّ بإذن الله ، لأنّ اليهود كفروا وفسقوا وأشركوا فسلّط الله عليهم ملك بابل فأضرّ بهم (وَيَتَعَلَّمُونَ) أهل بابل من الملِكين (مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ) أي ما يضرّ بقومهم وأهل بلدتهم ، ومعلوم ما في ذلك من الضرر ، لأنّهم يُفرّقون بين الزوجين (وَلَقَدْ عَلِمُواْ ) أهل بابل (لَمَنِ اشْتَرَاهُ ) أي لمن اشترى ذلك السِحر من الملِكين وتعلّمهُ منهما (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ) وهنا حذف في الكلام تدلّ عليه اللّام من قوله (لَمَنِ ) والتقدير : ولقد علموا لمن اشتراه عذاباً وما له في الآخرة من خلاق ، أي من نصيب في الجنّة ، لأنّ الساحرَين كانا يشترِطان على الناس فيقولان : من تعلّم منّا هذا السِحر وعمل بهِ فله عذاب يوم القيامة وما لهُ في الجنّة من نصيب . فكان بعض الناس يقبل بهذا الشرط ويتعلّم منهما ، وبعضهم لا يقبل بذلك . ثمّ عادَ سبحانهُ إلى ذمّ اليهود فقال (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ ) أي بئس المال الذي أبدلوهُ بأنفسهم ، لأنّهم ألقَوا بأنفسهم في جهنّم لأجل المال والرئاسة ، ومن ذلك قول المسيّب بن علَس : يُعْطَى بِها ثَمَناً وَيَمنَعُها وَيَقولُ صاحِبُهُ أَلا تَشري (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) العاقبة .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم