كتاب: حقائق التأويل في الوحي والتنزيل

بقلم: محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى)

توزيع: دار الكتب العلمية (بيروت)

الوصف: تفسير الايات القرآنية كاملة اضافة الى الايات الغامضة

فهرس الآيات , البحث في القرآن الكريم

تفسير سورة طه من الآية( 101) من كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل   بقلم محمد علي حسن الحلي (رحمه الله تعالى) : 

101 - (خَالِدِينَ فِيهِ ) أي خالدين في خزي الوزر وعذابهِ ، وذلك في عالم البرزخ (وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ) أي ساءت أحوالهم بسبب أحمالهم .

102 - (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ) سبق الكلام عن الصور وبيانه في كتابي الكون والقرآن مُفصّلاً ، وهو القِشرة الباردة الّتي تتكوّن على وجه الشمس عند انتهاء حياتها ، والنفخ يكون من داخلها بسبب الغازات الّتي تخرج من شقّ يكون لها فينتج من ذلك الحادث صوتٌ عظيم (وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ) أي سود الوجوه ، وهذه كناية مُستعملة عند العرب ولا تزال تُستعمل في العراق فيقولون "فلانة زرقة" أي سوداء اللّون ، ومن ذلك قول عنترة وقد رماهُ وزر بن جابر : رَمانِي ولم يَدهشْ بِأَزْرَقَ لَهْذَمِ عَشِيَّةَ حَلُّوْا بَيْنَ نَعْفٍ ومخْرمِ فقول الشاعر "ولم يَدهشْ بِأَزْرَقَ لَهْذَمِ" ، فالأزرق كناية عن نفسهِ لأنّه أسود اللّون .

103 - (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ ) أي يتحدّثون فيما بينهم بصوتٍ خافت ، يعني لا يُسمع صوتهم ، فيقول بعضهم لبعض كم لبثتم في عذاب البرزخ؟ فيقولون سنين عددا ، فيقولون (إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ) يعني ما لبثتم في العذاب إلاّ عشر ليالٍ من ليالي الآخرة .

104 - فقال الله تعالى (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ) أي ليس كما قالوا (إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ) يعني أحسنهم رأياً ومذهباً ، فالأمثل معناه الأحسن ،
والشاهد على ذلك قولُ امرئ القيس يتضجّر من طول اللّيل : ألا أيها اللّيلُ الطَّوِيلُ ألا انْجَلِ بِصُبْحٍ وما الإصْباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
يعني وما ضياء اليوم منكَ بأحسنَ من كلّ يوم فتتأخّر وتطول علينا ،
وقال كعب بن زُهير : أَرَنَّت مِنَ الشَيبِ العَجيبِ الَّذي رَأَتْ وَهَل أَنتِ مِني وَيْبَ غَيرِكِ أَمثَلُ
(إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ) يعني يقولون لهؤلاء المجرمين الّذينَ قالوا لبثنا في عذاب البرزخ سنين عددا ، مهما طال عذابكم في البرزخ لا يساوي يوماً واحداً من أيّام القيامة وعذابها .

105 - (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ) الّتي في مكّة (فَقُلْ) لهم (يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ) فيجعلها كثيباً مهيلاً .

106 - (فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ) أي فيترك أرضها مُستوية ليس فيها تلّ ولا جبلٌ ولا نقرةٌ ولا حُفرة ، فكلمة "قاع" تُطلَق على قطعة من الأرض وليس على الأرض كلّها ، وجمع القاع قيعان ، ومن ذلك قول الخنساء ترثي أخاها : شهّادُ أنديةٍ حمّالُ ألويةٍ قطّاعُ أوديةٍ سِرحانُ قِيعانِ

107 - (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ) يعني لا مُرتفَع ولا مُنخَفَض ، وذلك لأنّ الأرض تقف عن دورتها المحورية حين انتهاء الحرارة الّتي في جوفها فيكون في جهةٍ منها نهارٌ دائم لا يعقبهُ ليل ، وفي الجهة الاُخرى ليل دائم لا يعقبهُ نهار ، فحينئذٍ تزداد الحرارة في جهة النهار وتلك الحرارة تكفي لإحراق الصخور وتفتيتها ، لأنّ أكثر الجبال مكوّنة من كربونات الكالسيوم ، فإذا سُخّنتْ ذهب عنها غاز ثاني أوكسيد الكاربون وبقيَ أوكسيد الكالسيوم (نورة) وهو مسحوق أبيض مائل إلى الصُفرة قليلاً . ثانياً إنّ الحرارة الّتي في جوف الأرض هي سبب الجاذبيّة فإذا ذهبت وبردَ جوف الأرض فإنّ الجاذبيّة الّتي للأرض تنتهي فحينئذٍ تصبح أجزاء الجبال مُتفكّكة ، وبذلك تصبح الجبال عُرضةً لعوامل التعرية والتآكل ، فإنّ الرياح تنسفها إلى البحار والمنخفضات ، وبذلك تصبح الأرض صفصفاً لا ترى فيها عِوجاً ولا أمتا . وقد سبق الكلام عن الجبال ونسفها في كتابي الكون والقرآن .

108 - (يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة (يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ ) يعني يتّبعون صوت الداعي الّذي يدعوهم إليهِ ، وهو إسرافيل (لَا عِوَجَ لَهُ ) أي لا يميلون عنهُ يميناً ولا شمالاً بل يصعدون نحوهُ إلى الفضاء . ونظيرها في سورة الإسراء قوله تعالى {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } ، (وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ) . الهمس هو الكلام الخفي ، تقول العرب "همسَ في اُذني" يعني كلّمني بكلام واطئ الصوت لا يسمعهُ إلاّ هو ،
ومن ذلك قول الشاعر : فباتُوا يُدْلِجُونَ وباتَ يَسْرِي بَصِيرٌ بِالدُّجَى هادٍ هَمُوسُ يعني يسمع الأصوات الخفيّة .
والمحشر يكون في الفضاء .

109 - (يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ ) في أحدٍ من الناس (إِلَّا) في (مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ) يعني في الموحِدين الّذينَ رضي الله عنهم تنفعهم شفاعة الأنبياء (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) يعني بشرط أن يكون ذلك الإنسان صادقاً في قولهِ موحِّداً في دينهِ لم يُشرك بعبادةِ ربّهِ ، فذلك تنفعهُ شفاعة الشافعين

110 - (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) ضمير الميم في (أَيْدِيهِمْ) يعود للأنبياء ، يعني الشافعين ، والمعنى : يعلم ما قدّموهُ بين أيديهم من أعمال (وَمَا) تركوه (خَلْفَهُمْ) من سُنَن وشرايع (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) أي وهم لا يُحيطون بمكنونهِ عِلماً فلا يعلمون ذاته ولا يعلمون ما في نفسهِ من أسرار . والدليل على ذلك قول عيسى بن مريم كما في سورة المائدة {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } .

111 - (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) "العنَت" معناه الذلّ والخضوع ، و"الوجوه" هم رؤساء القوم وأشرافهم ، مُفردها وجيه ، والمعنى : خضعت وذلّت في ذلك اليوم الملُوك والرؤساء لعظمة الله وانقادت لمشيئتهِ وحُكمهِ ( وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) أي مَن ظلمَ الناس واغتصبَ حقوقهم خابَ أملهُ وخسِرَ عمله .

112 - (وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) بالله وبرُسُلهِ وبالآخرةِ (فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ) أي لا يخاف ظلماً من الشياطين في عالم البرزخ لأنّ الملائكة تحرسه ، ولا هضماً يوم القيامة بأخذ حسناتهِ وإعطائها لغيره إن كان غير ظالم لحقوق الناس .

113 - (وَكَذَلِكَ) أي كما أخبرناك بالقيامة وعلائمها كذلك (أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) ليفهموهُ (وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ) أي وكرّرنا فيه من الوعيد بأساليب مُختلفة (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) الشِرك والمعاصي (أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ) يعني أو يُجدّد القرآن لهم عِظةً واعتباراً بالاُمَم السالفة فيتركوا الأنداد ولا يعبدوها .

------------------------------------
<<الصفحة السابقة الصفحة الرئيسة الصفحة التالية>>



كتاب الكون والقرآن ..تفسير الظواهر الكونية في القرآن الكريم، ووصف دقيق لأحداث القيامة كتاب المتشابه من القرآن تفسير الآيات الغامضة في القرآن الكريم والتي ظلت غامضة منذ 1400عام كتاب حقائق التأويل في الوحي والتنزيل: التفسير الكامل للأيات القرانية بضمنها الايات المتشابهة والغامضة
كتاب الإنسان بعد الموت: وصف دقيق لحال الأنسان بعد الموت وتكوين الجنان وجهنم والملائكة والشياطين. كتاب ساعة قضيتها مع الأرواح: رحلة في عالم الأرواح مدتها ساعة زمنية كتاب الخلاف بين التوراة والقرآن: يوضح من زور التوراة وفي أي عصر والأخطاء الواضحة فيها ومقارنتها بالقرآن الكريم